كلمة… لابد أن تقال …

الانتفاضة /// إبراهيم حيمي

بالرغم أنني أختلف مع مايسة سلامة في غير ما موقف، وأتحفظ على بعض اختياراتها، إلا أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بشيء لا يمكن مصادرته: جرأتها الأدبية، وصلابتها في التعبير، وقدرتها على خوض النقاش السياسي بلغة واضحة لا تعرف الثورية حين لا تكون ضرورية، ولا النفاق حين يصبح عادة عامة. إنّ مايسة سلامة ليست حالة عابرة في مشهد يفضل الأصوات الخافتة، بل هي صوت اختار أن يعلو، وأن يتحمل كلفة العلو. وهي، سواء اتفقنا معها أو اختلفنا، تمتلك من الدراية السياسية، ومن البلاغة، ومن الحضور الفكري، ما يجعل كثيراً من مهاجميها يبدون أقرب إلى ردود فعل غاضبة منهم إلى محاورين حقيقيين. فالهجوم السهل لا يحتاج إلى معرفة، بل إلى انفعال؛ أما النقاش الجاد فيحتاج إلى حجة، وإلى استعداد للاعتراف بأن الاختلاف لا يُبطل قيمة المختلف. كثير من الذين يتصدون لها لا يناقشون أفكارها بقدر ما ينزعجون من كونها امرأة تقول ما تريد، بوضوح، ومن دون أن تطلب إذناً مسبقاً من أحد. وكأن الجرأة، حين تصدر عن امرأة، تتحول في وعي بعضهم إلى استفزاز.

إنها عقدة المرأة الشجاعة التي لا تخفض صوتها إرضاءً لذائقة ذكورية اعتادت أن تحتكر الحديث في “المواضيع الكبرى” وتترك للنساء هوامش الصمت أو المجاملة. لقد اعتاد بعض خصومها على نمط آخر من الحضور النسائي: حضور متردّد، يلامس السطح ولا يغوص، ويتحاشى الملفات التي يعتبرونها شأناً “ذكورياً خالصاً”. وحين تظهر امرأة تجادل سياسياً وأدبياً، وتخوض في قضايا السلطة والمجتمع بلا مواربة، يختلّ ميزان مألوف لديهم، فيتحول النقاش إلى تصفية رمزية. والحال أن مايسة سلامة، قبل أن تكون كاتبة أو فاعلة في النقاش العمومي، هي مواطنة حرة. من حقها أن تعتقد ما تشاء، وأن تختار موقعها السياسي والفكري كما تراه مناسباً، ما دامت تتحمل مسؤولية خطابها.

لأن الحرية لا تُجزّأ على مقاس الأذواق، ولا تُمنح فقط لمن يردد ما نحب سماعه. أما من أراد مناقشتها، فالباب مفتوح للحوار الجاد، لا للتقليل ولا للاحتقار المبطّن بعداء عقائدي. فالاختلاف، حين يُدار باحترام، يثري المجال العام؛ أما حين يتحول إلى حملة تشويه، فإنه يكشف هشاشة أصحابه أكثر مما يكشف عن ضعف فكري امام خصمهم.

في النهاية، قد نختلف مع مايسة سلامة، وربما نعارضها بشدة، لكن الدفاع عن حقها في الكلام بشجاعة هو في جوهره دفاع عن حقنا جميعاً في أن نتكلم بلا خوف ولا مصادرة للراي او وصاية من اين كان.

التعليقات مغلقة.