روايات متضاربة وأسئلة معلّقة في قضية الشاب الذي ألقى بنفسه داخل مقر الفرقة الوطنية

الانتفاضة  /// حسن المولوع 

بينما ما زلنا نحاول تفكيك خيوط حادث إقدام شاب على إلقاء نفسه من طابق علوي داخل مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، وفهم رواية أسرته ومعطيات القضية، سارعت بعض المنابر وصفحات إعلامية إلى نشر معطيات نسبتْها إلى “مصادر خاصة”، دون تقديم أي سند رسمي أو توضيح دقيق لطبيعة هذه المعلومات.

وتفيد هذه الروايات غير المؤكدة بأن الشاب تمّت مواجهته بما وُصف بـ“أدلة” على تواصله مع شخص مقيم بكندا يتناول قضايا تتعلق بمسؤولين قضائيين وأمنيين..غير أن خطورة هذا الطرح لا تكمن فقط في غياب التأكيد الرسمي، بل في الطريقة التي يتم بها تقديم هذه المعطيات، والتي قد تُفهم على أنها تبرير مسبق لما تعرض له المعني بالأمر من ضغط نفسي خلال مرحلة الاستماع.

بل إن نشر مثل هذه الروايات، بدل أن يخدم صورة المؤسسة الأمنية، قد يضعها في موقع حرج، لأنه يوحي بأن الشاب كان محل مواجهة نفسية مكثفة، وهو ما يستدعي توضيحات دقيقة حول ظروف الاستماع والإجراءات المتبعة..

من الناحية القانونية، وحتى في حال وجود شبهات جدية، فإن المسطرة العادية تقتضي توجيه استدعاء قانوني، والاستماع إلى المعني بالأمر في إطار الضمانات القانونية، مع احترام قرينة البراءة التي تظل قاعدة أساسية إلى حين صدور حكم قضائي نهائي..

في المقابل، تقدم أسرة الشاب رواية مختلفة، إذ يؤكد والداه أن عناصر أمنية كانت تترصد منزله قبل أن يتم اقتياده، وفق روايتهما، وأنه طُلب منه لاحقا التوقيع على موافقة لإجراء تفتيش.. كما أشارا إلى حجز حاسوبه في وقت سابق دون توضيح طبيعة القضية المرتبطة بذلك..

وتضيف الأسرة معطى آخر يتمثل في علاقة سابقة بين الشاب وعميدة شرطة، بدأت في إطار زمالة أكاديمية قبل أن تتحول، بحسب روايتهما، إلى خلاف تطور إلى مسار قضائي، دون الكشف عن تفاصيله..

أما بخصوص فرضية تواصله مع الشخص المقيم بكندا، فإن التحليل القانوني يطرح بدوره عدة تساؤلات.. فمجرد التواصل مع شخص خارج البلاد لا يشكل في حد ذاته مخالفة قانونية، ما لم يكن مرتبطا بأفعال مجرّمة محددة..كما أن الحديث عن نقل معطيات حساسة يفترض وجود موقع أو صفة تمكّن المعني بالأمر من الولوج إلى مثل تلك المعلومات، وهو أمر لم تثبت بشأنه أي معطيات رسمية..

وفي غياب رواية مؤسساتية مفصلة، يبقى المجال مفتوحا للتأويلات، وهو ما يفسّر تنامي السرديات المتضاربة، ويؤكد الحاجة إلى تواصل رسمي واضح ودقيق يضع حدا للتكهنات.

في هذا السياق، يطرح مراقبون إشكالية أخرى تتعلق بدور بعض المنابر التي تسارع إلى تبني روايات غير موثقة، في محاولة لإظهار القرب من المؤسسات، وهو سلوك لا يخدم المهنية، بل قد يضر بصورة الجهات المعنية أكثر مما يحميها..

كما يعكس هذا الوضع أزمة ثقة متنامية لدى جزء من الجسم الصحفي، خاصة في ظل تجارب سابقة شعر خلالها بعض الصحافيين بعدم الحماية الكافية من حملات التشهير الإلكتروني، وهو ما ينعكس بدوره على طبيعة التعاطي الإعلامي مع مثل هذه القضايا..

في المحصلة، لا تتعلق القضية بحادث فردي فقط، بل بضرورة توفير معطيات رسمية دقيقة، وضمان الشفافية في عرض الوقائع، بما يحمي حقوق الأفراد من جهة، ويصون مصداقية المؤسسات من جهة أخرى..

ففي غياب المعلومة الموثوقة، لا تنتشر الحقيقة… بل تتكاثر الروايات.

التعليقات مغلقة.