نظرة أمي الأخيرة

الانتفاضة  /// عبد الصمد بن الشريف

في مثل هذا اليوم، 22 فبراير 2002، رحلت أمي، فاطمة الشقيري.مرّت أكثر من عشرين سنة، لكن الزمن، على قسوته، لم يفلح في إبعادها عني.

ما تزال حاضرة كما لو أنها غادرت البارحة: مقيمة في الذاكرة، في تفاصيل البيت، في رائحة الصباح، وفي الأحلام التي تزورني فيها لتؤدي دورها الأبدي: الأم التي لا تتقاعد من الحنان.

كثيرًا ما ألتقي بها في المنام وهي تمارس طقوسها اليومية البسيطة؛ تعدّ قهوتها، تعجن الخبز …، أو تناديني بصوتها الخافت. أستيقظ فأدرك أن الغياب ليس إلا خدعة الواقع، أما حضورها فحقيقة مستقرة في القلب.

أتذكر تلك الليلة جيدًا. كنت حديث العهد بالرباط، بإمكانات محدودة، وبمدينة لا ترحم الغرباء والمرضى. لم تكن صيدليات الحراسة الليلية قد وُجدت بعد، وكان المرض، إذا فاجأك ليلًا، يضعك وجها لوجه أمام العجز.

داهم الألم أمي فجأة. نوبات تقيؤ عنيفة، وبطنها كان يتلوّى كما لو أن أحشاءها كانت تُنتزع من مكانها. كنت أراها تتألم، فأشعر أن جسدي أنا هو الذي ينشطر. عند الفجر، وبمساعدة جارة كريمة — ما تزال كلماتي حتى الآن عاجزة عن شكرها — حملنا أمي في سيارة أجرة صغيرة وتوجهنا نحو مستشفى محمد بن عبد الله للأنكولوجيا.

ظننت أن أبواب المستشفى ستفتح أمامنا لمجرد أن يروا وجه أمي الشاحب. توسلت للحراس، تمسحت بأعتابهم، استعطفتهم كما يفعل الغريق وهو يتعلق بقشة. كنت أطلب فقط أن ينقذوا أمي من موت بدا وشيكًا.

لكن لا أحد تحرك.

لا أحد أصغى.

بل مُنعنا من الولوج.

خرجت أجرّ خلفي خيبة ثقيلة. كانت تلك سنوات قاسية؛ سنوات الجمر والرصاص الصحي، المتقاطعة مع سنوات الجمر والرصاص السياسي. حتى المرض كان يحتاج إلى وساطة.

دلّني سائق الأجرة، الذي رافقني بتعاطف نادر، على الصيدلية الوحيدة للحراسة قرب مسرح محمد الخامس. ذهبنا على أمل أن نجد دواءً يخفف الألم. لكننا عدنا خاليي الوفاض.

اقترح الرجل أن تشرب أمي كوبًا من الحليب، ربما يهدّئ معدتها. بدا الاقتراح بسيطًا حد السذاجة، لكنه كان الأمل الوحيد.بحثنا طويلًا عن دكان مفتوح. وأخيرًا وجدناه.

عدنا إلى البيت المتواضع الذي أكتريه في حي المحيط وتحديدا بزنقة كندا شربت أمي كمية من الحليب.شيئًا فشيئًا، خف الألم. هدأ التقيؤ. خفت الأنين الذي كان يغور في صدري كسكين.

لكن الليل ظل طويلاً، أبيض، ومثقلاً بكل ما يمكن أن يوجع الإنسان.

في لحظة ضعف، طلبت مني أن أتصل بإخوتي ليحضروا إلى الرباط، وكأنها كانت تتهيأ للرحيل. يومها شعرت أن الأرض تنسحب من تحت قدمي. ومع ذلك، لطف الله بنا، وتراجعت الأزمة.

على امتداد عشر سنوات، رافقتها أنا وإخوتي وأخواتي في رحلة المرض. اتفقنا مع الطبيب أن نخفي عنها طبيعة الداء، كي لا ينهشها الخوف قبل الألم. كانت تواجه وجعها بشجاعة فطرية، دون أن تعرف اسمه الحقيقي.

وفي الجمعة الأخيرة، دخلت المستشفى العسكري بالرباط قادمة من طنجة. رافقتها في سيارة الإسعاف، إلى جانب ممرض. وعندما سلّمتها للأطباء، التفتت نحوي.

كانت تلك نظرتها الأخيرة.رفعت يدها بالكاد. سالت دمعتان صافيتان.لم تقل شيئًا، لكن كل شيء قيل في تلك اللحظة.شعرت بانكسار داخلي لم أعرفه من قبل. هزيمة صامتة كانت تسري في كياني.

أمسك الدكتور حسن الريحاني بيدي، وأخرجني من المستشفى، واقترح أن أرافقه إلى بيته لتناول الغداء ثم نعود. ربما كان يريد أن يحميني من الصدمة القادمة.

عدنا إلى المستشفى العسكريي بعد ساعتين تقريبًا.وجدنا المكان أكثر هدوءًا مما ينبغي.تقدم نحوي الراحل الجنرال عرشان وقال:«البركة في راسك أولدي. رحم الله والدتك».

في تلك اللحظة، شعرت أن الأرض زلزلت تحت قدمي. لكن لم يكن مسموحًا لي أن أنهار. كان عليّ أن أكون قويًا، أن أتصل بإخوتي، أن أبلغهم الخبر، أن أتماسك .

كنا نعلم أنها كانت في حالة احتضار، لكن الإنسان يتشبث بالأمل حتى آخر نفس. يراهن على معجزة، ولو كانت مستحيلة.كنت آخر من رأته أمي.آخر وجه حملته معها.واليوم، ترقد إلى جوار أبي، كما أوصت.

أما أنا، فما زلت أعيش على تلك النظرة الأخيرة؛ نظرة وداع كثيفة، تختصر العمر كله، وتعلّمني كل يوم أن الأم لا ترحل حقًا…إنها فقط تغيّر مكانها، وتسكن في القلب إلى الأبد.

التعليقات مغلقة.