بنت الباشا كشّرت عن أنيابها…؟

الانتفاضة // عبد العزيز بن صالح

كأن فاطمة المنصوري قررت أخيرًا أن تخرج من عباءة التحفظ السياسي إلى فضاء الجزم واليقين.

حديثها الأخير لم يكن مجرد رأي أو تقدير انتخابي، بل أقرب إلى نبوءة مكتملة الأركان: المغاربة ــ بلا تردد ــ سيمنحونها المرتبة الأولى، وستدخل التاريخ كأول امرأة تترأس الحكومة في المغرب.

يقين لا تشوبه شائبة، ولا يترك مساحة للشك أو المراجعة.

هذا النوع من الخطاب لا يصدر عادة عن سياسي يحسب خطواته بميزان الذهب، بل عن شخص يشعر أن الرياح تهب في صالحه، أو هكذا يُخيّل إليه. والسؤال الجوهري هنا: على ماذا بُني هذا اليقين؟

هل على استطلاعات رأي رصينة لا نراها؟

أم على قراءة خاصة لمزاج الشارع؟

أم هو مجرد حُلم عابر زار صاحبة التصريح في قيلولة شتاء طويلة، حيث تختلط الرغبات بالواقع كما تختلط أحلام السبات لدى الدببة؟

فاطمة المنصوري ليست وافدة جديدة على السياسة. هي ابنة السلطة المحلية، بنت الباشا، التي شقت طريقها داخل حزب الأصالة والمعاصرة، واستفادت من شبكاته ونفوذه، ومن موقعه كحزب صُنع في لحظة خاصة من تاريخ المغرب السياسي.

لكنها في المقابل، لم تُقدّم إلى الآن ما يجعل هذا اليقين يبدو منطقيًا في نظر عموم المغاربة.

الواقع الانتخابي في المغرب عنيد، لا يستجيب كثيرًا للأمنيات ولا للخطابات الواثقة أكثر من اللازم.

هو واقع تحكمه معادلات معقدة: المال، الإدارة، التحالفات، نسبة المشاركة، ثم ــ وهذا الأهم ــ صورة الحزب لدى المواطن البسيط. وحزب الأصالة والمعاصرة، رغم كل محاولات التلميع وإعادة التموضع، ما يزال يعاني من ذاكرة ثقيلة لدى فئات واسعة، ترى فيه حزب السلطة أكثر مما تراه حزبًا مجتمعيًا نابعًا من هموم الناس.

ثم إن رئاسة الحكومة في المغرب ليست جائزة خطابية ولا تتويجًا رمزياً لمجرد كون المرشح امرأة أو رجلًا. هي منصب محفوف بالتوازنات الدقيقة، داخليًا وخارجيًا، حزبياً ومؤسساتيًا.

ومن يتحدث عنها بيقين الأنبياء الموعودين بالرسالة، ينسى أن السياسة ــ بعكس النبوءة ــ لا تعترف إلا بالأرقام يوم الاقتراع، وما يليه من مفاوضات لا تقل قسوة عن يوم الصناديق نفسه.

قد تكون المنصوري تراهن على تعب الناس من الحكومة الحالية، وعلى الرغبة العامة في التغيير، وقد تكون قرأت جيدًا تراجع منسوب الثقة في الفاعل الحكومي القائم.

لكن الرهان على سخط الشارع وحده لا يصنع انتصارًا، خاصة إذا لم يُرفق بمشروع واضح، وخطاب مقنع، ومسافة نقدية حقيقية من تجارب الماضي.

إن أخطر ما في هذا اليقين الانتخابي، أنه قد يتحول إلى عبء على صاحبته. فكلما ارتفع سقف التوقعات، كان السقوط ــ إن حدث ــ أكثر إيلامًا. والسياسة المغربية مليئة بأمثلة لزعماء تحدثوا بثقة مفرطة، قبل أن تفاجئهم صناديق الاقتراع بواقع مغاير تمامًا.

في النهاية، لا أحد ينكر حق فاطمة المنصوري في الطموح، ولا في الحلم برئاسة الحكومة. لكن بين الطموح واليقين مسافة اسمها الواقع. واقع لا يُقاس بالهتاف ولا بالتمني، بل بما يُقنع به المواطن وهو يضع ورقته في الصندوق. أما غير ذلك، فليس سوى همس شيطان سياسي بارع في الإغواء، يوهم صاحبه بأن الوزارة قاب قوسين أو أدنى.

التعليقات مغلقة.