الانتفاضة $$$ كمال قروع
لا تزال ساكنة الشمال والغرب المغربي تعيش فصول مأساة إنسانية غير مسبوقة، بعدما اجتاحت الفيضانات جل المدن والقرى والدواوير، وشرّدت مئات الأسر التي وجدت نفسها بين عشية وضحاها بلا مأوى، تفترش الخيام بمراكز الإيواء، في مشهد يعكس فشلاً سياسياً وتدبيرياً صارخاً، وتخلياً مفضوحاً للمسؤولين السياسيين في لحظة كان يفترض فيها الحضور لا الغياب.
وفي قلب هذا الغضب الشعبي، يبرز اسم نزار بركة، وزير التجهيز والماء، والأمين العام لحزب الاستقلال، والنائب الذي صعد إلى البرلمان ممثلاً لساكنة العرائش، قبل أن يدير لها ظهره ويتجاهلها تماماً في عزّ الأزمة، وكأن ما يحدث لا يعنيه لا من قريب ولا من بعيد.
ساكنة الشمال، وخاصة بإقليم العرائش، تتداول بمرارة قصة التخلي الصادم من طرف واحد من أبناء دائرتها الانتخابية، الذي حمل أصواتهم ووعودهم إلى الرباط، ثم نسيهم خمس سنوات كاملة، ولم تطأ قدماه المنطقة منذ انتهاء الحملة الانتخابية، رغم أنه اليوم المسؤول الحكومي الأول عن قطاع يوجد في صلب الكارثة التي تعيشها المنطقة.
نزار بركة، الذي أغدق الوعود الانتخابية على الساكنة، اختار الصمت والغياب عندما تحولت تلك الوعود إلى اختبار حقيقي على أرض الواقع. فكيف لوزير يشرف على قطاع التجهيز والماء، المرتبط مباشرة بالسدود والبنية التحتية وتدبير مخاطر الفيضانات، أن يلتزم مكتبه المركزي، بينما تغرق القرى ويُهجّر المواطنون؟
كان من المفترض، أخلاقياً وسياسياً، أن يكون بركة في مقدمة الحاضرين، لا لالتقاط الصور، بل للوقوف على حجم الكارثة، ودعم بني جلدته، وتحمل مسؤوليته كاملة أمام الرأي العام. غير أن المتعجرف والمتكبر ـ كما يراه اليوم كثير من أبناء المنطقة ـ فضّل الغياب، في انسجام تام مع باقي وزراء حكومة “الكوارث”، وعلى رأسهم عزيز أخنوش، الذين لم يروا في معاناة المواطنين أولوية.
الأكثر إثارة للسخرية، أن الوزير المتحالف مع الأحرار والبام، اكتفى بنشر تدوينة على “فيسبوك” يتحدث فيها عن اجتماعات وتدبير للواردات المائية وعمليات تفريغ استباقي لبعض السدود، وكأن الأزمة تُحل بالمنشورات، لا بالحضور الميداني والتواصل المباشر مع المتضررين.
هذا الغياب المريب فتح باب تساؤلات وانتقادات واسعة حول طريقة تدبير الأزمات في المغرب، وحول مسؤولين يعتقدون أن القرارات تُدار من المكاتب المكيفة، بينما المواطنون يواجهون الوحل والماء والخسارة وحدهم. فالمسؤول الحقيقي لا يختبئ خلف البلاغات، بل ينزل إلى الميدان، يسمع، يرى، ويتحمل المسؤولية السياسية كاملة.
نزار بركة لم يزر بني جلدته، ولم يشر حتى إلى نيته الوقوف على معاناتهم، وكأن المسافة بين الرباط والعرائش لم تعد جغرافية فقط، بل أخلاقية أيضاً. وكما قال الشاعر: ليس من رأى كمن سمع.
ما وقع ويقع اليوم رسالة واضحة للمغاربة جميعاً، فالحذر كل الحذر من السياسيين المخادعين الذين يتذكرون دوائرهم الانتخابية فقط في موسم الأصوات، ثم يختفون عند أول امتحان حقيقي. والرد الوحيد الممكن على هذا التعالي وهذا التخلي، هو صندوق الاقتراع، حيث يُردّ الدين، ويُحاسَب من لا يستحق الثقة.
التعليقات مغلقة.