الأحرار بعد أخنوش: رهان الاستمرارية وتجديد الثقة

الانتفاضة/ سلامة السروت

في أجواء طغت عليها نبرة الامتنان والاعتزاز، وامتزجت فيها المشاعر بين الفخر والحنين، احتضنت مدينة الجديدة، مساء السبت، أشغال المؤتمر الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار. لم يكن اللقاء مجرد محطة تنظيمية عابرة، بل بدا أقرب إلى لحظة سياسية فارقة، عنوانها العريض: نهاية مرحلة وبداية أخرى. لحظة اختار فيها عزيز أخنوش أن يطوي صفحة امتدت عشر سنوات على رأس الحزب، مسلما المشعل لقيادة جديدة، ومغادرا موقعا صنع فيه كثيرا من التحولات وأثار، في الآن ذاته، كثيرا من الجدل.

الكلمة التي ألقاها أخنوش حملت طابعا وجدانيا واضحا، أقرب إلى “خطاب وداع” منه إلى تقرير سياسي جاف. تحدث بنبرة إنسانية قبل أن تكون حزبية، واستعاد مسارا من المسؤوليات والتجارب، واصفا اللحظة بأنها تختزل سنوات من العمل والتحديات. بدا حريصا على أن يظهر كقائد يغادر وهو مطمئن، لا كسياسي ينسحب تحت الضغط.

في رسالته للمؤتمرين والمؤتمِرات، شدد على أن الحزب أكبر من الأشخاص، وأن قوة التنظيم لا تكمن في “الزعامات الخالدة”، بل في كفاءات مناضليه وطموح أطره. عبارة تحمل في ظاهرها تواضعا سياسيا، لكنها في العمق تعكس محاولة لترسيخ صورة حزب المؤسسات بدل حزب الزعيم، وحزب الاستمرارية بدل الارتباط بشخص واحد.

غير أن أي خطاب وداعي، مهما كان مؤثرا، لا يمكن فصله عن سؤال الحصيلة. فالسياسة ليست فقط لحظات رمزية وكلمات دافئة، بل هي أيضا تقييم صريح لما تحقق وما تعثر. وعقد كامل على رأس حزب بحجم التجمع الوطني للأحرار ليس مدة قصيرة، بل مرحلة كافية لترك بصمة واضحة، سلبا أو إيجابا.

حين تولى أخنوش قيادة الحزب سنة 2016، كان “الأحرار” يمر بمرحلة ارتباك تنظيمي وفقدان للبوصلة السياسية. لم يكن في صدارة المشهد، ولا يمتلك ذلك الزخم الجماهيري الذي يؤهله لقيادة الحكومة. خلال سنوات قليلة، تغيرت المعادلة. أعاد الحزب ترتيب بيته الداخلي، ووسع حضوره الترابي، واستثمر بكثافة في استقطاب الأطر والكفاءات، كما أطلق حملات تواصلية غير مسبوقة، جعلته أقرب إلى حزب انتخابي حديث يعتمد على التنظيم واللوجستيك والتخطيط طويل المدى.

هذه الدينامية توجت بفوز الحزب في انتخابات 2021، وقيادة أخنوش للحكومة. بالنسبة لأنصاره، كان ذلك إنجازا سياسيا يحسب له، ودليلا على قدرة الرجل على تحويل حزب متوسط الحجم إلى قوة انتخابية أولى. أما منتقدوه، فيرون أن الصعود كان مدفوعا بإمكانات مالية وتنظيمية ضخمة أكثر من كونه تعبيرا عن تجذر سياسي أو أيديولوجي حقيقي.

وبين هذا وذاك، تبقى الحقيقة أن أخنوش نجح في إعادة رسم موقع “الحمامة” في الخريطة الحزبية المغربية. فقد انتقل الحزب من دور المساند أو الشريك الثانوي إلى موقع القيادة، وهو تحول لا يمكن إنكاره مهما اختلفت القراءات.

لكن القيادة الحزبية شيء، وتدبير الشأن العام شيء آخر. فمنذ توليه رئاسة الحكومة، وجد أخنوش نفسه أمام تحديات مركبة: تداعيات الجائحة، ارتفاع الأسعار، توترات اجتماعية، أزمات مناخية، وضغوط اقتصادية دولية. ملفات ثقيلة جعلت سقف الانتظارات مرتفعا، وسقف الانتقادات أعلى.

كثير من المواطنين كانوا ينتظرون نموذجا جديدا في التواصل والقرب من همومهم، غير أن صورة الحكومة ظلت، في نظر فئات واسعة، بعيدة عن الشارع. وبرزت انتقادات تتعلق بضعف التفاعل الميداني مع بعض الأزمات، وبغياب خطاب سياسي مقنع يفسر القرارات ويبرر الاختيارات. وهي نقاط ألقت بظلالها على التقييم العام للتجربة.

من هنا، فإن لحظة الوداع الحزبي تفتح الباب تلقائيا أمام مقارنة بين صورتين: صورة القائد الذي نجح في بناء آلة حزبية قوية، وصورة المسؤول الحكومي الذي ما زال أداؤه محل نقاش وجدل. هذا التباين يجعل إرثه السياسي مركبا، لا يمكن اختزاله في نجاح مطلق أو فشل كامل.

ما يحسب لأخنوش في خطابه الأخير هو محاولته التأكيد على فكرة التداول والتجديد داخل الحزب. فثقافة التشبث بالمواقع ما زالت سائدة في جزء كبير من المشهد الحزبي المغربي، حيث تتحول الزعامة أحيانا إلى ملكية خاصة. في هذا السياق، يبدو تسليم المشعل طوعا رسالة إيجابية، مفادها أن المؤسسات أقوى من الأفراد.

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تغيير الوجوه، بل في الحفاظ على الروح التنظيمية، وضمان استمرار الثقة بين الحزب والمواطنين. فالقيادة الجديدة لن ترث فقط جهازا حزبيا قويا، بل سترث أيضا توقعات عالية وأسئلة معلقة حول الأداء الحكومي والاجتماعي.

في النهاية، يمكن القول إن مؤتمر الجديدة لم يكن مجرد حدث داخلي لحزب سياسي، بل كان محطة للتأمل في مسار عقد كامل من الزمن. عقد شهد صعود رجل أعمال إلى واجهة السياسة، وتحول حزب إلى قوة انتخابية أولى، وتغيرات عميقة في موازين المشهد الحزبي.

يبقى السؤال مفتوحا: كيف سيتذكر التاريخ مرحلة أخنوش على رأس “الحمامة”؟ كرجل أعاد بناء الحزب وقاده إلى الصدارة؟ أم كزعيم لم يستطع تحويل هذا النجاح التنظيمي إلى رضا شعبي واسع؟

ربما الإجابة لن تحسم اليوم، ولا في خطاب وداع مهما كان بليغا، بل في ما ستكشفه السنوات القادمة. لأن السياسة، في النهاية، لا يحكم عليها بالكلمات، بل بالأثر الذي تتركه في حياة الناس.

التعليقات مغلقة.