من كأس إفريقيا إلى مونديال 2030

الانتفاضة ✍️ محمد الشندودي

لم يكن ما قام به المغرب خلال السنوات الأخيرة مجرد سباق نحو استضافة بطولة، ولا بحثا عن كاس يضاف الى الخزانة، بل كان اختيارا استراتيجيا واضحا: الاستثمار في البنية التحتية كمدخل للتنمية الشاملة، وبناء منشآت رياضية بمعايير عالمية، الى جانب طرق ومطارات وفنادق وخدمات تجعل من الرياضة رافعة اقتصادية وصورة حضارية للدولة. ما تحقق على الأرض ليس تفصيلا تقنيا، بل رسالة سياسية وتنموية موجهة للداخل والخارج معا.

ومع ختام كأس إفريقيا، يظهر أن الرهان لم يكن مغربيا صرفا ولا طموحا معزولا، بل مشروعا إفريقيا بامتياز. رهان على أن تقول القارة كلمتها بالفعل لا بالشعارات، وأن تثبت قدرتها على التنظيم والانضباط واحترام الزمن، وتوفير شروط الامن والراحة، بعيدا عن الصورة النمطية التي لازمتها طويلا. كانت التظاهرة القارية تمرينا جماعيا على حلم أكبر، واستثمارا واعيا في طريق 2030، حيث لا يسعى المغرب فقط الى احتضان حدث عالمي، بل الى تقديم إفريقيا كفاعل ناضج قادر على تحمل المسؤولية التاريخية.

غير أن هذا المنطق لم يكن محل اجماع. بعض الأصوات، للأسف، اختارت الهروب من جوهر الحدث الى قشوره، واختزلت التظاهرة في كاس، كأنها مباراة نهائية بلا سياق ولا دلالة. سيطر هوس النتيجة على حساب الفكرة، وحلت الشماتة محل الشراكة، وغاب الوعي بأن الانتصار الحقيقي لم يكن في منصة التتويج، بل في قدرة إفريقيا على النجاح جماعيا، وفي تراكم الثقة والخبرة، وفرض الاحترام المستحق في نظر العالم.

لقد كان من المفروض أن يساهم الجميع في إنجاح هذه التظاهرة، لأن نجاحها ليس انتصارا لبلد بعينه، بل مكسب جماعي للقارة كلها. الانتقادات الخارجة عن الإطار، والسلوكات التي أساءت للروح الرياضية، لم تضرب المغرب فقط، بل شوهت الرسالة الإفريقية التي كان يجب أن نخرج بها موحدين وقويين. فالعرس القاري لا يكتمل بالكاس وحدها، بل باحترام الفكرة التي أقيم من أجلها.

ومن قلب هذا المشهد، يبرز درس حاسم لا يقل أهمية عن دروس التنظيم، ويتعلق بحدود سياسة حسن النية حين تصطدم بعقليات تشتغل بمنطق الخبث والابتزاز واستغلال الضعف لتحقيق المكاسب. حسن النية قيمة إنسانية نبيلة، لكنها تفقد فعاليتها حين تتحول الى نقطة ضعف يستثمر فيها الآخرون بلا تردد. ومع اقتراب أفق مونديال 2030، يصبح من الضروري الانتقال من منطق التعويل على النوايا الى منطق تدبير المصالح بوضوح وحزم. فالتظاهرات الكبرى لا تحكمها العواطف، بل تدار بميزان القوة واليقظة، حيث الاحترام لا يمنح بل يفرض، والمكتسبات لا تحمى الا بقواعد صارمة وخطوط حمراء واضحة.

ومن هنا، يصبح الرهان الحقيقي مضاعفا. فكما استثمر المغرب في الحجر والاسمنت والمنشآت، يبقى الاستثمار في الإنسان معركة المعارك. لا جدوى من ملاعب بمعايير عالمية دون مواطن واع بقيمتها، ولا معنى لتنظيم محكم دون ذهنيات متحررة من الاستهلاك والاتكالية. تحصين الداخل بالمعرفة والعدالة والشعور بالكرامة هو الشرط الصامت لكل نجاح خارجي، وهو الكفيل بتحويل أي تظاهرة رياضية من حدث عابر الى رافعة تحول حقيقي.

ومن هنا، يصبح واجب استخلاص الدروس ضروريا. المغرب مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى، بمواصلة طريقه دون التفات للتشويش، مع تعزيز الاهتمام بثروته البشرية، لأنها أساس كل تحصين. لا قيمة لمنشآت حديثة دون مواطن واع، ولا معنى لتنظيم محكم دون عقول متحررة، ونموذج تنموي يضع الإنسان في قلب المشروع. تطوير البنية التحتية يجب أن يوازيه تطوير الفكر، وترسيخ قيم العمل المشترك، والثقة في النفس دون استعلاء.

الرهان الحقيقي ليس في كاس تضيع او تفوز، بل في نموذج يبنى. وإذا نجح المغرب في إنجاح نموذجه التنموي، وتحصين مواطنيه بالمعرفة والعدالة والكرامة، فإنه يكون قد انتصر فعلا، سواء حمل الكاس أم لم يحملها. أما 2030، فلن يكون مجرد موعد رياضي، بل محطة تاريخية لقول شيء واحد للعالم: إفريقيا قادرة، متى فهمت أن الفوز الأكبر هو أن تنتصر لنفسها.

التعليقات مغلقة.