الانتفاضة
لا يمكن إنكار ما مر به الجيل السابق من صعوبات اجتماعية وسياسية واقتصادية. لقد عاشوا في ظل أنظمة قمعية عايشوا الاستبداد وانعدام الحريات وتعلموا التعايش مع واقع قاس لم يترك لهم الكثير من الخيارات ولكن المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في ما عانوه بل في الطريقة التي تعاملوا بها مع تلك المعاناة وفي كونهم سمحوا للخوف أن يتحول من شعور عابر إلى نمط حياة بل إلى “عقيدة” تُورَّث كما يُورَّث الاسم واللغة والعادات.
لقد تربى ذاك الجيل في غالبيته على الطاعة العمياء للسلطة أيا كانت: سياسية أو اجتماعية لا نقاش لا مساءلة لا رفض. فقط الامتثال الامتثال باعتباره “فضيلة” والخضوع باعتباره “حكمة”، والصمت باعتباره “نجاة”. حتى الظلم تم قبوله وكأنه قَدَرٌ سماوي أو امتحان إلهي لا يُسمح للإنسان أن يعترض عليه. والأسوأ أنهم لم يكتفوا بالخضوع بل نقلوا هذا المنطق إلى أبنائهم وأحفادهم محاولين تبريره بكل الطرق الممكنة: “ان الوزراء بغاو مصلحتنا “، “اللي خاف نجا “، “اللي دار راسو في النخالة ينقبوه الدجاج ولا شي لعبة بحال هكا”.
إن أخطر ما ورثه هذا الجيل للأجيال اللاحقة ليس الفقر ولا نقص الفرص بل الخوف الخوف من كل ما هو مختلف. الخوف من النقد من السؤال من الاعتراض. الخوف من “السلطة أو كما تنموهم المخزن” بمختلف أشكالها. أصبحوا ينظرون إلى من يحتج أو يرفض أو يحاول التغيير كـ”بغا إخرج على البلاد ” أو “بغا إزعزع الإستقرار ولا عندك تفكيرك سطحي” لا لأنّه أخطأ فعلا بل لأنه تجرأ على كسر السلسلة التي كبلتهم طيلة حياته
يميل كثير من أفراد داك الجيل إلى تمجيد الماضي وكأنه زمن الكمال ورفض الحاضر بكل ما فيه من محاولة نقد أو وعي أو مساءلة والكلمة المشهورة ولي طلعات لي فراسي وتنضن كلشي سمعها”جيل حسن من جيلكم “أو “سكتنا الموضوع بعيد عليك”. يرفضون فكرة أن التغيير ممكن ويصابون بالذعر وعندما تحاول أن تشرح لهم أن العالم تطور وأن الإنسان له الحق في المطالبة بحقه وكرامته تجدهم يرمقونك بنظرات مشوبة بالاستهزاء أو الشفقة، ثم يقولون لك: “فيك بزاف دلهدرة”، أو “رك مزال برهوش مفاهم والوا في الحياة”.
جيلان بين الرفض والإمتتال
الفجوة اليوم ليست بين جيلين من حيث العمر، بل بين طريقتين في التفكير: جيل يرى في الخضوع خلاصا وجيل بدأ يعي أن الكرامة لا توهب بل تُنتَزع جيل يرى في التغيير الوسيلة الأنجح في التطور والرقي.
التعليقات مغلقة.