الانتفاضة // ✍️ ميمونة الحاج داهي
لم استقبل خبر عدم ترشح عزيز أخنوش من جديد لرئاسة حزبه بوصفه مفاجأة، بل بوصفه علامة. في السياسة المغربية، العلامات أهم من الأخبار.
الأخبار تقال بسهولة ، أما العلامات فتحتاج إلى الإقتراب لتفهم.
قبل ساعات فقط، كان الرجل يتحدث بثقة عن الاستمرارية، عن تمديد الهياكل، عن مواصلة المسار.
ثم، في أقل من يوم، انقلب كل شيء. لا أحد يغير رأيه بهذه السرعة إذا كان ما زال يمسك بخيوط اللعبة.
ما يتغير هنا ليس القناعة، بل الموقع داخل منظومة القرار.
و أنا كمواطنة تراقب مسار سياسة بلدي منذ سنوات، تعلمت أن أخطر ما يمكن أن يخسره سياسي في المغرب ليس المنصب، بل الزمن. الزمن هو السلطة الحقيقية: من يملك الزمن يقرر متى يمدد، متى يؤجل، ومتى يخرج. وحين يسحب منه هذا الامتياز، يبدأ التناقض، وتظهر العجلة، ويصير كلام اليوم نقيض كلام الأمس.
منذ 2021، لم يكن أخنوش مجرد رئيس حكومة، بل قفاز مرحلة كاملة. في المغرب، الأحزاب والحكومات ليست فقط مؤسسات، بل واجهات تمسك بها الدولة المجتمع دون أن تترك بصماتها مباشرة.
القفاز يحمي اليد، لكنه أيضا يتحمل الأوساخ. تضخم، غلاء، جفاف، اختلالات اجتماعية، ووعود الدولة الاجتماعية التي ذابت في الواقع…
كل ذلك تراكم على قفاز إسمه أخنوش.
في البداية، كان هذا مفيدا للدولة: الغضب له عنوان، ويمكن احتواؤه داخل حكومة منتخبة. لكن حين طال الاحتكاك، لم يعد السخط موجها نحو السياسات، بل نحو القفاز نفسه. وهنا يصبح القفاز خطرا، ليس لأنه لم يعد صالحا، بل لأنه صار فاضحا.
الدولة لا تخاف من الغضب..تخاف من أن يترك بصمته.
ومع اقتراب استحقاقات 2026، صار واضحا أن استمرار أخنوش في قيادة الحزب سيحول الانتخابات الى استفتاء على مرحلة كاملة، وربما على من صممها. في تلك اللحظة، لا تغير الدولة اتجاهها، بل تغير القفاز الذي يمتص السخط.
لهذا خرج أخنوش من رئاسة الحزب.
ليس لأنه فشل تنظيميا، بل لأن صلاحيته الرمزية انتهت. المرحلة التي قادها كانت مرحلة تمرير الكلفة: كلفة اصلاحات غير شعبية، كلفة توازنات اقتصادية مفروضة من الخارج، كلفة نموذج فلاحي بدأ يتصدع. وكان مطلوبا منه ان يتحمل السخط.
وقد تحمله… الى أن صار هو السخط نفسه.
المرحلة التي تحضر الآن مختلفة. هي مرحلة إعادة إنتاج الشرعية. الدولة تحتاج واجهة أخف، أقل استفزازا، أقل ارتباطا بالمال والامتياز، وأكثر قدرة على الكلام بلغة القرب. ليس لأن الجوهر تغير، بل لأن الغضب صار اكبر من أن تتم إدارته بذات القفاز .
أستبعد تماما أن أخنوش لم يقصى من الداخل.. تم إخراجه من الواجهة فقط و الأيام بيننا.
هذه هي هندسة ما قبل 2026:
تفريغ الغضب من الأعلى،
وإعادة توزيعه في قفاز جديد.
وما يقلقني، وأنا أربط هذه الخيوط، ليس مصير رجل، بل مصير فكرة المحاسبة. حين تغير الواجهة قبل أن يتكلم الصندوق، نخشى ان تتحول الانتخابات الى تغيير قفاز، بدل أن تكون لمسا للحقيقة.
السؤال الذي يبقى معلقا، والذي لا تستطيع كل هذه الهندسة ان تطمسه، هو:
هل نزعت الدولة قفازها لتعيد النظر في مسارها، أم لتلبس قفازا أنظف وتمسك بالشيء نفسه؟
هنا فقط سنعرف إن كانت هذه الحركة بداية تصحيح…
أم بداية سباق محموم مع الزمن..الله يدير الخير…و العام زين؟؟؟
التعليقات مغلقة.