الانتفاضة // عبد العالي حسن
قول على قول …
( المُشتَغِل الثقافي ” cultural worker” هو العنوان الأكثر مقبولية وملاءمة لعصرنا من عنوان الناقد الأدبي، ويبدو أكثر تلاؤماً مع تاريخ التطور الطبيعي والثقافي ، المشتَغِل الثقافي يتحرك في فضاء أوسع من حدود النص ومرجعياته الجمالية الكلاسيكية ، ويمتد في وسائله التشريحية إلى قراءة سياق انتاج العمل الثقافي ، لا الأدبي فحسب ، وأنماط تلقيه ، وصلاته بالمبنى الاجتماعية والسياسية والمعرفية )
لطفية الدليمي
هل مات الناقد الادبي ؟
جريدة الشرق الأوسط 7/1/2026
الناقد بين ( النقد) و ( الاشتغال)
بدءاً لابد من الإشارة إلى أن مقال
الروائية لطفية الدليمي المذكور ٱنفاً يلامس عقدة مركزية في تحولات الخطاب النقدي المعاصر، لأنه لا يتوقف عند موت المؤلف بوصفه مقولة إجرائية، بل يتعقب ارتداداتها المعرفية على سلطة القراءة، ووظيفة النقد، وهوية من يمارس الفعل التأويلي ذاته .
لقد مثّلت أطروحة رولان بارت عن موت المؤلف قطيعة رمزية مع النقد الكلاسيكي الذي كان يتكئ على نوايا الكاتب وسيرته ومقاصده بوصفها مفاتيح وحيدة لشرعية التأويل. ومع ما بعد البنيوية (فوكو، دريدا، كريستيفا…) لم يعد النص كيانًا مغلقًا، بل شبكة علاقات، فضاءً دلاليًا مفتوحًا، تتحقق فيه المعاني عبر القراءة لا قبلها. وهنا انتقلت السلطة من منشئ النص إلى متلقيه، ومن المعنى الواحد إلى التعدد، ومن الحكم إلى الاختلاف.
غير أن هذا التحول، في لحظة تمدده القصوى، أفرز سؤالًا مقلقًا: إذا مات المؤلف، فهل يموت الناقد؟
أو بتعبير أدق: هل يفقد النقد الأدبي مشروعيته بوصفه خطابًا اختصاصيًا، أم يعيد تعريف نفسه؟
أولًا: من سلطة الحكم إلى فعل الاشتغال
النقد التقليدي، خاصة في صيغته المدرسية أو الانطباعية، كان يتكئ على موقع الوصاية:
يحكم، يقوّم، يصنّف، ويمنح النص شرعية أو يسحبها. ومع تحرر القراءة، تآكل هذا الموقع، وبرزت فكرة أن قراءة الناقد ليست سوى قراءة من بين قراءات.
لكن هذا لا يعني انعدام الفارق بين قارئ عادي وناقد؛ بل يعني تحوّل وظيفة النقد من إصدار الأحكام إلى إنتاج الأسئلة.
الناقد لم يعد قاضيًا، بل مُشغِّلًا للنص، يكشف طبقاته، يضيء بنياته، يربط النص بسياقاته الخطابية والمعرفية، دون ادعاء امتلاك المعنى النهائي.
ثانيًا: موت الناقد أم موت صورته القديمة؟
ما مات فعليًا ليس الناقد، بل صورته السلطوية ، بوصفه حرس الذوق وممثل المؤسسة ومالك الحقيقة التأويلية ، هذه الصورة هي التي انهارت ، أما النقد بوصفه فعل معرفة، فلم يضعف، بل ازداد تعقيدًا، لأنه بات مطالبًا بالاشتغال على تداخل الأجناس والخطابات،
وعلاقة النص بالسلطة والمعرفة والهوية،والبُعد الثقافي والأنثروبولوجي للنصوص،وأنساق المهيمن والمهمّش ،
وهنا ظهر مصطلح «المُشتغل الثقافي» الذي اقترحته السيدة الدليمي بوصفه استجابة لهذه التحولات.
ثالثًا: هل «المُشتغل الثقافي» بديل دقيق؟
مصطلح المُشتغل الثقافي لا يخلو من وجاهة ، إذ هو يحرر الفعل النقدي من ضيق الأدبية الصرفة،
ويعترف بتداخل الأدب مع الاجتماع، والسياسة، والأنثروبولوجيا، والإعلام،
وينسجم مع تحولات النقد الثقافي والدراسات الثقافية، لكن الإشكال يكمن في أن هذا المصطلح فضفاض ، إذ قد يذيب الخصوصية المنهجية للنقد الأدبي داخل ممارسة ثقافية عامة، لا تميّز بين القراءة الاختصاصية والقراءة الانطباعية.
لذلك، فإن استبدال مصطلح الناقد الأدبي كليًا بـ المشتغل الثقافي قد يكون قفزًا على الحاجة إلى أدوات تحليل نصي دقيقة، ومعرفة تاريخية بالأنساق الأدبية، ووعي نظري بمفاهيم السرد، الشعرية، الخطاب.
ربما يكون الأجدى هو إعادة توصيف الناقد لا إلغاؤه ، إذ يمكن التفكير في الناقد المعاصر بوصفه
وسيطًا معرفيًا بين النص وسياقاته،
لا يمنح المعنى، بل يكشف شروط إنتاجه وتعدده ، أو مُنسّقًا دلاليًا يشتغل على تفكيك البنى،لا على تثبيت الأحكام ، أو حتى مشتغلًا نقديًا ثقافيًايحتفظ بأدوات النقد الأدبي،وينفتح في الوقت نفسه على الحقول المعرفية المجاورة ،
بهذا المعنى، لا يعود السؤال: هل نغيّر المصطلح؟
بل: كيف نغيّر وظيفة المصطلح؟
فالنقد المعاصر لا يعيش أزمة وجود، بل أزمة تعريف ،
وما بعد موت المؤلف وموت الناقد السلطوي، يولد الناقد بوصفه فاعلًا معرفيًا، لا حاكمًا، وباحثًا في المعنى لا مالكًا له ، فهو لا يكتب ليقول الكلمة الأخيرة، بل ليُبقي النص مفتوحًا على احتمالاته، ويمنح القراءة أفقها النقدي بدل أن يصادره ،
وهو في هذا كله، أقرب إلى الاشتغال منه إلى الاحتكام، دون أن يفقد اسمه، بل دون أن يفقد ضرورته.
التعليقات مغلقة.