في زمن صارت فيه المجتمعات آلات صمّاء

الانتفاضة // سعيد حجي

في زمن صارت فيه المجتمعات آلات صمّاء، والناس وجوها بلا أعماق، والضيافة فعلا مدفوع الأجر أو مشروطا بالمقابل، يظل كرم #المغاربة، خصوصا في قراهم الجبلية وفضاءاتهم الهامشية، فعلا لا واعيا متجذرا في الذاكرة الجمعية، ليس سلوكا مكتسبا، إنما مركّب ثقافي ضارب في الجذور…
حين يدخل الغريب على بيت لا يعرفه أحد، ويُستقبل بترحاب كبير، بطعام مقسوم من فم الحاجة، ببطانية دافئة مأخوذة من فوق جسد الكفاف، فإن الأمر لا علاقة له بالنية الطيبة فحسب، بل بأكثر ما يشبه مفهوم “الواجب المقدّس” كما نظّر له مارسيل موس في كتابه عن الهبة…
هؤلاء الذين لا يسألونك عن اسمك، ولا عن مهنتك، ولا عن مذهبك، يرون فيك إنسانا، وهذا كاف. في كل حركة من حركاتهم، وفي كل طبق يوضع على المائدة، تصير الروح أوسع من الجغرافيا. وحين يطرق مؤثر سعودي مثلا باب منزل في أعالي الجبال، لم يُستقبل كغريب، بل ككائن تم افتراض أنه “من أهل الدار”، لأنهم لم يتعلموا بعد أن يغلقوا أبوابهم في وجه الآخرين، ولأنهم لم يتورطوا في الاستلاب الذي يجعل الإنسان يخاف من الإنسان…
الضيافة هنا لا تشبه ما نعرفه في المجتمعات التي زحفت اليها الفردانية ، و لا تمارس كفلكلور، ولا كقيمة سياحية، بل كحالة وجودية نابعة من قناعة صلبة أن الأرض للجميع، والخبز إن لم يُقتسم صار حجرا. وهي القناعة نفسها التي كانت تسكن قلب الأجداد حين كتبوا عن اليقين الوحيد: أن تكون إلى جانب الإنسان، كل الإنسان…
الوجوه الجبلية التي ظهرت في الفيديوهات، وهي تفتح أبوابها دون تردد، لا تبحث عن التصفيق، هي تمارس ما هو أعمق من الكرم. تمارس الإنتماء. تمارس ذاكرتها. تمارس تربيتها القديمة التي رُضعت من ثدي الجدّات لا من شاشات الهواتف…
كرم الضيافة هذا، هو ما تبقّى من الإنسانية حين يتراجع كل شيء. هو ما لم تنجح النيوليبرالية في خصخصته، وما لم تتمكن الفردانية من عزله. هو الممانعة التي لا ترفع شعارات، لكنهـا تعيش. هي تعبير عن تضامن عضوي لا يصاغ بالبلاغة، لكنه يترجم في قطعة خبز، في إناء دافئ، في جملة “مرحبا بيك، الدار دارك”…
حين نكرم الغريب، نعلن أن الوجود لا يزال قابلا للعيش، وأن الروح لم تمت. هوية المجتمع لا تقاس بقدرته على الإنتاج فقط، بل بقدرته على الاحتضان. ومن يحتضن إنسانا مجهولا، فقد انتصر على كل منظومات التشييء، على الأرقام، على التصنيفات، على النزعة الأمنية في رؤية الآخر…
الضيافة المغربية كما تجلّت في أبسط مشاهد القرى، تعيد تعريفنا لماهية الإنسان، لماهية العلاقة، لماهية الوطن. وكأنها تقول، كما كتب إيفان إيليتش يوما، إن العطاء حين يُنتزع من منطق السوق، يصير أكثر طهرا، أكثر قوة، وأكثر قدرة على شفاء العزلة التي صارت طاعون هذا العصر…

التعليقات مغلقة.