الانتفاضة // ميمونة الحاج داهي
يصادف اليوم تاريخ ذكرى آخر يوم لي في بطن والدتي..حين ولد جسدي و قيل إنني بدأت.
وأنا أعرف أن الذي بدأ هو الشكل فقط هذا الغلاف الذي سيتحرك بين الناس ويكبر، ويشيخ، ويسمى…
أما الروح فقد سبقت هذا الموعد طويلا جاءت مثقلة بمعرفة لا أذكر كيف حصلت عليها وبحدس غامض بأن الطريق لن يكون سهلا وبأن علي أن أتعلم منذ البداية كيف أحتمل.
جئت إلى الحياة وأنا أشعر أكثر مما ينبغي.
لم أتعلم الإحساس،، ولدت به، كما يولد بعض الناس بعينين مفتوحتين أكثر من اللازم. كنت أفرح بعمق يربكني وأحزن بحميمية ترهقني، وأتعلق بالأشياء كما لو أنها آخر ما تبقى لي من العالم. لم أعرف يوما كيف أكون عابرة لم أعرف الخفة، كنت مقيمة في الوجع في السؤال في التفاصيل الصغيرة التي تمر على الآخرين دون أن تترك أثرا، وتستقر في قلبي كحجارة.
سكنتني طفلة حزينة طفلة لم تُكسر ضربة واحدة بل تشققت ببطء، يوما بعد يوم، بصمت طويل.. تنظر حولها بعين أكبر من عمرها تراقب الوجوه، وتلتقط التغيرات الدقيقة، وتفهم ما لم يقل…شعرت باكرا بأن العالم واسع وقاس في آن وبأن الأمان ليس حقا مكتسبا، تلك الطفلة لم تطلب إنقاذا، لأنها لم تكن تعرف أن الإنقاذ ممكن، فاختارت كتم كل شيء، وربت حزنها في الداخل بحذر وخوف وشيء من الاعتياد.
ثم كبرت، وجاء الغضب.
غضب لا يعلو صوته، لكنه لا ينام. غضب من التناقض من الوعود التي تقال بسهولة وتنسى بسهولة أكبر،غضب من الذين يشيرون بالسبابة و يطلقون أحكامهم الجائرة..من القلوب التي تتقن الكلام وتفشل في الفعل. كان غضبا متعبا، لم يبحث عن صدام، بحث طويلا عن عدالة لم تأتي ..
حملت غصتي معي ندبة مخفية بين الرمش و الرمش، وتعلمت أن بعض النساء لا يمنحن براءة العيش البسيط، بل يدفعن مبكرا إلى الوعي إلى الفهم إلى ثقل الرؤية.
تعبت من الانفعال، فتعلمت الهدوء.
ليس هدوء الراضيات بل هدوء المتعبات اللواتي يعرفن أن الصراخ لا يغير الكثير. صرت أختار الصمت لأن الكلام يفضح ضعفي أكثر مما يحميني، وأختار التأمل لأن الواقع كان أكثر حدة من أن أواجهه مباشرة. كنت أحتاج إلى مسافة كي أتنفس، إلى عزلة مؤقتة كي لا أذوب في فوضى لا تشبهني، و حتى أبقى قادرة على الإصغاء إلى نفسي.
وحين صرت أما، انفتح في قلبي جرح جميل.
جرح لا ينزف دما بل خوفا وحنانا، ومسؤولية…أحببت بعمق جديد، عمق لا يشبه ما عرفته من قبل، عمق يوجع ويقدس في الوقت نفسه. صرت أخاف بطريقة أنقى، أخاف على غيري أكثر مما أخاف على نفسي، وأعطي بطريقة أصدق، وأتراجع عن ذاتي دون أن أشتكي. الأمومة لم تمنحني طمأنينة، منحتني معنى أثقل، وعرفتني على شكل آخر من الحب، حب يعري الروح من أنانيتها، ويتركها أكثر صدقا، وأكثر تعبا.
ثم جاءت الليالي التي لم أعد أعرف فيها لماذا أستيقظ…ليالي البكاء حد الشهقات
ليالي كان فيها الحزن قريبا إلي حد الجلوس معي، يشاركني الصمت، ويضع رأسه على كتفي و يغرز بروده في أوصالي. لم يكن حزنا صاخبا، كان هادئا كثيفا، يستنزفني ببطء. اقتربت من حافة الحياة، لم أكن شغوفة بالموت إنما أنهكني الثقل، من كثرة المحاولة، من طول الصبر. هناك، فهمت أن البقاء ليس بطولة يصفق لها الآخرون، إنه عناد الروح التي لا تعرف كيف تنسحب، حتى حين تتعب.
في تلك العتمة، لم يكن لي إلا الكتب والكلمات.
قرأت لأنني كنت أبحث عن امرأة تشبهني، تشعر مثلي، وتفهم مثلي، وتنجو مثلي بصعوبة.
وكتبت لأن الكتابة كانت المكان الوحيد الذي أستطيع أن أكون فيه بلا أقنعة بلا شرح بلا تبرير..لم أكتب لأشفى أو لأبدو قوية، أبدا هذا بعيد عني فقد كتبت لأتألم بوعي، لأُسَمي ما يؤلمني ولأبقى حية دون أن أخون نفسي أو أجمل حقيقتي.
أعترف أني لست امرأة مكتملة، ولن أكون كذلك و لا أسعى لأكونها
فيَّ نقص يؤلمني و في شجن يربكني و في قلب لا يعرف الاعتدال..و لا أريد النجاة الباردة، تلك التي تفرغ الإنسان من حساسيته…..أريد حياة تشبهني حياة أشعر فيها وأخطئ وأتعب وأحب حتى لو أوجعتني..حين تشرق شمس اليوم سيقول لي أصدقائي و أحبتي عيد ميلاد سعيد ميمونة… سأبتسم بعينين تعرفان البكاء جيدا، وتعرفان أيضا كيف تخفيانه.
فأنا أعرف أن ميلادي الحقيقي
كان في كل مرة انكسرت فيها ولم أتحول إلى حجر،،،وفي كل مرة أحببت فيها الحياة رغم خذلانها،،،وفي كل مرة بقيت امرأة تشعر، وتختار الشعور،،،وهذا أقصى ما يمكن أن تبلغه الروح وهي حية.
التعليقات مغلقة.