مرافعة لفائدة الشك

الانتفاضة // توفيق بوعشرين

وزارة داخليتنا تريد القضاء على الشك في الانتخابات،
بالقانون الانتخابي الذي يرتّب عقوبات جنائية تصل إلى خمس سنوات سجنًا،
لأن «أمّ الوزارات»، العائدة إلى أدوارها القديمة هذه الأيام، تريد تحصين الانتخابات المقبلة،
حتى تصير الهندسة الانتخابية لوزارة الداخلية من «المحصَّنات» التي لا يجب الاقتراب منها
أو المسّ بعرضها…

الذي يريد تجريم الشك هو الذي يريد بناء (حقيقته الخاصة)،
وارساء نظام معرفي مُدجَّن يسلب الآخرين حقّ وضع السؤال.

يقول الفيلسوف بول ريكور:
«الشك ليس إنكارًا للمعنى، بل بحثًا عنه خلف الأقنعة».

هنا تذكّرت محورًا كنت أَدرسه وأُدرّسه للطلبة في المعهد العالي للإعلام والاتصال ،
في السنوات التي كنت فيها أستاذًا/صحافيًا زائرًا.
هذا المحور هو: «دروس في الشك»…

«دروس الشك» هذه لم تكن درسًا نظريًا،
بل درعًا نقديًا وأداة منهجية تُقوّي حاسة تدقيق المعلومات لدى الصحافي،
والفحص الدائم للوقائع،
والتأكّد من صحة الخبر ومصداقية المصدر،
خاصة في زمن الصورة السريعة،
والخبر السائل،
والدعاية المغلَّفة،
واليقين الزائف،
وحروب السرديات والوعي،
والسيطرة على الإدراك،
وتوجيه الرأي العام في اتجاه معيّن…

أتقاسم هنا معكم، كصحافي وكمواطن،
بعض معالم دروس الشك هذه،
والتي لا تقتصر فائدتها، فيما أظن، على عمل الصحافيين المهنيين فقط،
بل يحتاجها كلّ المواطنات والمواطنين
الذين يمسكون بهاتف ذكي من الصبح إلى المساء،
وخلال ساعات طويلة يتعرّضون لـ«قصف الشاشة»:
أخبار، صور، فيديوهات، تغريدات، بوستات، آراء، معلومات، رسومات،
مقتطفات خطب، نكت، مقالب…
من هنا وهناك…

تسونامي من المواد والمحتويات يملأ وقت المواطن ويستهلك انتباهه،
ويؤثر في ثقافته وذوقه وتربيته ومعايير الحكم لديه.
وهذا المحتوى الكثيف ليس كلّه،
ولا حتى جلّه للأسف،
في صالحه…

القاعدة الأولى في درس الشك:
* لا تصدّق شيئًا فقط لأنه مكتوب أو مصوَّر،
يبثّه الأفراد أو المؤسسات عبر كل المنصات les supports.

إن أخطر ما يواجه الصحافي والمواطن هو الانبهار بالشكل:
صورة قوية،
وثيقة مختومة،
شاهد واثق،
أو مصدر «مهم»،
فيديو مصوَّر…
كل ذلك لا يساوي شيئًا بدون مبدأ التحقّق.

الصورة قد تكذب،
والوثيقة قد تكون ناقصة،
والشاهد قد يخطئ أو يتلاعب بك،
والفيديو قد يكون مركّبًا أو خارجًا من سياقه أو ناقصًا…
خاصة أن التزييف العميق صار اليوم تقنية باهرة (Deepfake)،
والذكاء الاصطناعي قريبًا سيصير خارج تحكّم الإنسان.

القاعدة الثانية في دروس الشك:
* الشك الذي نتحدث عنه هنا لا يعني الارتياب الدائم (البارانويا paranoïa)،
بل الفحص المنهجي.

الشك المقصود هنا هو شكٌّ منهجي،
وليس شكًا مرضيًا ارتيابيًا
صادرًا عن ذات قلقة أو مريضة أو متوجسة على الدوام…

الشك المنهجي هو طريقة عمل،
وطريق حياة،
وطريقة وعي ومقاومة للزيف والتلاعب الذي يحيط بك وبي وبالآخرين.

نحن لا نعيش في بحر هادئ على شاطئ رملي جميل،
في جو رومانسي ومناخ محبة وسلام ووئام،
ترعى فيه الغزلان مع الذئاب دون أن تخشى على نفسها.

نحن نعيش، حرفيًا، وسط غابة،
تدور فيها معارك يومية خطيرة
حول من يؤثّر في الآخرين،
سواء ليُقنعهم أو ليُخدّرهم.

حرب على تسويق أفكار وسرديات وقناعات وسلع وخدمات
تخدم مصالح دول وشركات وأفراد…

حروب تدور في الإعلام الجديد والقديم
للوصول إلى العقول،
من أجل تبرير سياسات وقرارات وميزانيات
أو للتغطية على جرائم وانتهاكات،
في ساحة مفتوحة اسمها: الرأي العام.

الشك هنا هو طرح الأسئلة البسيطة،
والمزعجة أيضًا:
من قال ماذا؟
لماذا الآن؟
كيف حصل المصدر على المعلومة؟
ما الذي لا يقوله هذا المحتوى؟
من يستفيد منه؟
وما مدى منطقيته وصحته وتوقيته وإمكانية حدوثه؟

أسئلة حول الرسالة ومصدرها وتوقيتها،
وطابعها وحاملها،
وشكلها ولونها،
والمرسَل إليه،
والهدف منها؟

القاعدة الثالثة في دروس الشك هي:
شكّك دائمًا في المصدر…
خصوصًا إذا كان المصدر قريبًا منك،
أو متفقًا معك،
أو مساندًا لأفكارك وقناعاتك.

أخطر المصادر هو المصدر «الودود»،
أو المتطابق مع قناعاتك،
أو ديانتك،
أو أفكارك،
أو الذي يوحي بذلك لإزالة الحواجز
للوصول إلى إدراكك…

فالمعلومة التي توافق هواك
هي أوّل ما يجب أن تشكّ فيها.

كلما ارتحت للمصدر،
ارفع مستوى الحذر…

الفقيه الديني لا يقول دائمًا «الحقيقة المقدّسة».
وخطبة الجمعة،
خاصة عندما تكون موحّدة ومكتوبة في وزارة الأوقاف،
لا تصدر دائمًا عن نية صادقة.

والخبير في الأرقام لا يكون دائمًا على صواب…
ووزير العدل لا يشرّع دائمًا أكثر القوانين عدلًا.

إذن، الشك هنا
حتى ضد الإنسان ذاته،
لأننا ميّالون، بالفطرة والتربية،
لتصديق ما نرغب في حدوثه
أو ما نميل لتحقيقه،
وهنا تلعب الدعايات لعبتها

القاعدة الرابعة في درس التشكيك هي:
الخبر الذي لا يمكن التحقق منه ليس خبرًا…

احذر منه،
ضعه على جنب،
لا تعتمد عليه،
لا تروِه،
ولا تنشره،
ولا تتقاسمه.

قد يصدّقه غيرك،
وتصبح أنت مصدره!

حتى لو كان هذا المحتوى مثيرًا،
حتى لو كان «سبقًا»،
وحتى لو كان الجميع يردده ويتقاسمه أو يُعجب به…

لا تُقاس المحتويات، ولا الأخبار، ولا الصور بسرعة انتشارها،
بل بقدرتها على الوقوف أمام الزمن،
دون خجل من تهمة الكذب
والتزييف العميق أو السطحي.

القاعدة الخامسة في درس التشكيك هذا:
الشك هو ما يحمي الصحافة من التحوّل إلى دعاية،
والإعلام إلى إعلان،
والأخبار إلى توجيه،
والكشف عن الحقائق إلى تغطيتها وحجبها عن الناس…

بدون الشك،
تتحول الصحافة إلى مكبّر صوت
للسلطة،
أو للشائعة،
أو للتكنولوجيا،
أو للشركة،
أو للطائفة،
أو للقبيلة،
أو للحزب.

ومع الشك،
تظل مهنة الصحافة مهنة إزعاج،
لا مهنة ارتياح وزينة
قد تُعجب الناس،
لكنها تضرهم،
إن لم يكن اليوم، فغدًا.

الشك هو الذي يدفعنا للتحقق مما يُعرض أمامنا.
الشك هو ما يُبقي وعينا متيقظًا،
وعقولنا منتبهة،
وحسّنا متحفزًا.

الشك هو ما يجعلنا:

مواطنين،وليس مستهلكين،

بشرًا، وليس قطيعًا…

أحرارًا، وليس عبيدًا،

أصحاب اختيار، وليس أشخاصًا مسلوبي الإرادة…

إن أساليب الدعاية السياسية الحديثة،
والتوجيه الاستخباراتي المتطوّر،
ومؤسسات بناء السرديات المتخصصة،
طورت أدوات خطيرة ودقيقة جدا
لكسب معركة الوصول إلى الرأي العام،
باعتبارها -هذه المعركة- جزءًا من القوة الناعمة
والجيل الجديد من الحروب،

كل هؤلاء طوّروا تقنيات معقّدة،
وأساليب ومهارات خطيرة،
للتلاعب بالعقول،
والإدراك،
والثقافة،
ومعايير الحكم على الأشياء،
لفائدة سلطة،
أو دولة،
أو قرار،
أو قانون،
أو سلعة،
أو معركة…

قال غوستاف لوبون في كتابه الكلاسيكي «سيكولوجية الجماهير»:
«من يعرف كيف يؤثّر في خيال الجماهير، يسيطر عليها».

وراء صناعة التلاعب بالعقول والإرادات والآراء
خبراء في التسويق السياسي والتجاري،
والعلاقات العامة،
وعلماء في الدماغ والنفس،
يوظّفون نتائج الطب الحديث ضد الإنسان،
وخبراء في سياسات التواصل
وتقنيات تجاوز الحواجز التي خلقها الله في الإنسان
لحماية نفسه والدفاع عن مصلحته.

وكل هذا عبر وسائط وشبكات ومنصات
يُقال عنها «اجتماعية»،
واصلة إلى كل جيب:
التلفزيون،
والإذاعة،
والجريدة،
أو فيسبوك،
وتيك توك…
كلها في هاتف واحد

لا تقول لك هذه الوسائط مباشرة:
«هكذا يجب أن تفكّر»،
لكنها تفرض عليك:
بماذا يجب أن تهتم،
وبماذا يجب أن تفكّر.

وهي، بطريقة أخرى،
تتحكّم في أجندتك اليومية
الإخبارية،
والترفيهية،
والثقافية،
ثم تمنعك في نفس الوقت من أجندة أخرى
لا تعرضها عليك،
ولا تسمح لك بالاطلاع عليها،
لأنها تسجنك في فقاعة لا تنتهي
من المواد والمحتويات.

لهذا يُعتبر الشك سلاحًا فعّالًا
في هذه المواجهة غير المتكافئة…

من يريد أن يسلبك سلاح الشك،
فهو يريد أن يتركك أعزل
في حرب لا رحمة فيها.

ومن يُبقيك بلا سلاح
في ساحة القتال اليومي،
فهو، غالبًا،
يُدرجك في لائحة الضحايا.

فاختر أين تريد وضع اسمك…

الشك هو أول خطوة نحو اليقين.
«Le doute est l’origine de la sagesse.»
ديكارت

التعليقات مغلقة.