هل يكون فيضان آسفي نقطة التحول الذي لطالما كان منتظراً؟

المنتخبون ولعنة الكوارث الطبيعية

الانتفاضة // إلهام أوكادير

ربما لا يسعنا اليوم الحديث عن مستقبل منير لمدينة آسفي، التي ما تزال تعيش على وقع الكارثة المؤلمة التي أودت بحياة عشرات المواطنين والممتلكات الخاصة، إلا أنه وبالرغم من ذلك، لن ننكر تأثير مثل هذه المباغثات الطبيعية، التي تضع المتهاونين أمام فم المدفع، للتعامل الجدّي مع ما تمّ تجاهله لسنوات عدة.

لقد أصبحنا نعيش على واقع التّحرك عقب الأزمة، فإقرار القوانين المنظمة والإصلاحات القطاعية والحوارات الحكومية والنقاشات النقابية والإستماع للساكنة ولمطالبهم وغيره … لا يتم بلورتهم إلا على خلفية الأزمة أو الكارثة أو الأحداث الإستثنائية. ولن نخوض في تفاصيل هذا الأمر كثيراً، لما يحمله من تعقيدات ومؤاخذات و … لن يسعنا المقال الواحد للوقوف على مكان الخلل فيها، لكننا سنوجه عدستنا اليوم باتجاه آسفي، هذه المدينة التي تعيش اليوم  على وقع الويلات.

إن حال آسفي ومثيلاتها من المدن الهشة والتي تعاني التهميش والإقصاء لملف مُحتقَن، لا يجرأ أحد على فته سوى قوى الطبيعة التي تهزه رأسا على عقب، لعل الأمر يفيد في شيء من التغيير.

هذه المدينة التي لم تبدأ معاناتها بالفيضانات المطرية ولا الزخات الرعدية كما ندعي اليوم … بل بالرّص في رفوف التهميش وخزائن النسيان.

هذه المدينة التي لطالما سيء فهمها وتصنيفها، لتدخل في غياهب اللعنة والإحتقار والإستخفاف، لتكون ما أراد لها البعض أن تكون، وبالشكل والطريقة التي تتيح لهم أن يكونوا كما يريدون.

مدينة لم يُفهم ذنبها ولا عيبها إلى اليوم، إلا أنها عُوقِبت أشدّ عقاب. عقاب جعلها تُرى بعين المغضوب عليها، التي لا ترقى لتضاهي مثيلاتها من أخواتها المدن الكبرى، على اعتبار أنها لا تملك ما يكفي من الجاذبية الكافية، ما يجعلها مؤهلة للحصول على الإهتمام ولفت الإنتباه بأي شكل من الأشكال، اللهم بعض اللفتات البسيطة التي طبعت مشوارها المتواضع والبسيط.

إن واقع آسفي المتناقض مع القيمة التاريخية والسياحية لهذه المدينة الفتيّة التي تصنف من بين أقدم المدن المغربية ليخجلنا كثيرا، فهي موطئ العديد من المآثر التاريخية التي لا تزال شاهدة على تميزها كمدينة عظيمة، على سبيل المسجد الأعظم والأسوار البرتغالية وقصر البحر، وما اشتهرت به من سمعة لمّاعة في عهد ابن خلدون، حين لُقِّبت ب “حاضرة المحيط”، بفضل موقعها الإستراتيجي الذي صنفها كمرسى وميناء دولي.هذه المدينة التي تُعرف اليوم بالطاجين والسردين، مواصفات بالية ومتآكلة تُخفي بريقها أكثر مِما تُظهره، اللهم وصوت الخزف المسفيوي الذي مازال يصارع ويلات الزمن ليمنحها قدراً من النبض الذي يجعلها قيد الحياة، هناك حيث لا فنادق مصنفة، ولا مولات تجارية ضخمة، ولا قصر مؤتمرات راقي، ولا .. ولا …..

إن ما آلت إيه اليوم آسفي لجرم كبير في حق مدينة عظيمة، وساكنة عبدة المهوّرين، أولئك الذين سرعان ما تتغلب طيبتهم على غضبهم الدفين، الذي أضحى الأداة الوحيدة التي يصارعون بها مشاعر الإقصاء والتميش الجهوي المُعاش، وكأنهم وصمة عار على المغرب الجديد.

وحتى لا نسبح كثيرا في غياهيب الحسرة والإستنكار، دعونا نبسط معطياتنا البسيطة المتوفرة والتي تخصُّ هذه المدينة المكلومة، وذلك بالرجوع للتاريخ السياسي والتمثيلي لهذه الجهة، التي تم تقزيم حجمها من ثلاثة جماعات إلى جماعة واحدة، بميزانية يصفها أصحاب الشأن المحلي والجهات المعنية بها بالهزيلة وغير الكافية، بالرغم من كونها منطلق ولاذ اليساريين الأعزاء، ناهيك عن ما تهيشه المدينة من نقص صارخ في القطاع الخدماتي والبنيات التحتية وإمكانيات النظافة، و ….و ……

وغير بعيد، فقد أفاد السكان المحليين يوم أمس، خلال تصريحاتهم المباشرة لوسائل الإعلام عن واقع مرير، يفيد افتقار عناصر الوقاية المدنية لأدوات التدخل والإنقاذ اللازمة والكافية، ما كان سببا في تأخرهم عن التدخل والحدّ من سرعة تدبيرهم للكارثة، وهو الأمر الذي يضعنا من جديد أمام أزمة نقص الخدمات واللوجستيك، الذي يعمّق في كلّ مرة مشاعر الضعف والفقر في نفوس الساكنة التي تعيش هول الموقف.

ولن ننكر هامش المسؤولية التقصيرية التي تعتري كلّ من اتخذ من مجرى الوادي، مستقرا وملاذا آمناً، خاصة وما يعرف عن سلوكه البديهي في العودة إلى نفس مجراه وإن طالت سنوات غيابه، وهو الأمر الذي لا يخفى عن أيّ شخص، وإن كان كذلك، فلن يخفى عن البقية، إلا أنه وفي الوقت ذاته، لن نعفي الجهات المسؤولة والوصية التي يفترض في وظيفتها الحيطة والحذر والتوقع والإنذار والقيام بكلّ ما يلزم ، لضمان أمان الساكنة وعدم تعرضها للضرر كيفما كان شكله.

فكيف يعقل أن لا يتم تدبير مجرى واد بحجم “واد الشعبة”، ليتم تغيير مجراه بطريقة من الطرق الثلاثة التقنية الإعتيادية، حتى لا يتسبب بكارثة بالحجم الذي عيشه أهل آسفي، خاصة وأن فصل الشتاء الممطر قد حلّ، ما يعني أن الأمر متوقّع و محتمل وليس بالمباغث.

إن واد بحجم “واد الشعبة”، كان يمكن أن يتم توجيه مساره نحو البحر مباشرة، كتدبير وقائي واحترازي منذ فصل الصيف الماضي، وهو إجراء تقني نجحت العديد من المدن في تحقيقه، درءاً لمخاطره المحتملة في مجراه المعتاد، كواد “سكورة” بالدار البيضاء”، كما كان بالإمكان انشاء سد تجميعي لمياه الأمطار المنغمرة بمنطقة ما، من أجل التخفيف من حجم الصبيب وتجنب الحجم الكبير للسيول، ما سيساهم في الحدّ من حجم الأضرار المحتملة، وهو أحد الحلول التقنية التي يتم اعتمادها في مثل كذلك أحوال، كما كان بالإمكان الإشتغال على بالنيات التحتية وإنشاء مصارف و بلوعات كبيرة للمياه، ما سيمكن من سرعة تصريف وبلع السيول القادمة عن طريق قنوات، بعد أن يتم إزالة أي مرفق خدماتي من المجرى الأصلي للوادي مثل الأسواق وكل ما يعترض طريقه، ما سيشكل حلا تقنيا وتدبيريا سيساعد لا محالة في الخفض من حجم السيول واضعافها.

أما كان بالإمكان إخلاء الباعة من هذا السوق بحلول موسم الشتاء على الأقلّ، في الوقت الذي نجحنا فيه سابقا في فرض حضر تجول عام على مستوى المغرب كافة؟

لماذا ننتظر دائما حلول الكارثة لنتحرك؟ ماهذه اللعنة التي حلت بعقول الجهات المعنية بهذا الشأن؟

ما معنى أن لا تنجح جهة واحدة في تقديم دراسة ومخطط ناجع لتأهيل بنية مدينة بالشكل المطلوب؟

أما كان من واجب منتخبينا الأعزاء الحضور لعين المكان والوقوف على احتياجات الساكنة في هذا الظرف الأليم، على الأقلّ كعربون ثقة مُقدم يُحسب لكم في القادم من الأيام، إن لم يكن كواجب إنساني يُفترض فيكم كفئة تهتم لشأن المواطنين (الهضرة عليك الحادر عينيك). ؟

 

التعليقات مغلقة.