الاحتفاء بنجوم الكلمة والصورة.. تتويج الفائزين بالجائزة الوطنية الكبرى للصحافة في دورتها الـ 23

الانتفاضة // جميلة ناصف

تحولت مدينة الرباط، مساء يوم الاثنين 17 نونبر 2025، إلى قبلة للإعلاميين من مختلف ربوع المملكة، وهي تحتضن حفل تتويج الفائزين بالجائزة الوطنية الكبرى للصحافة في دورتها الثالثة والعشرين، في حفل حمل الكثير من اللحظات المؤثرة التي جسدت قيمة الإعلام الوطني ومكانته ودوره الاستراتيجي في بناء الوعي وترسيخ الديمقراطية.

وقد حضر الحفل وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد مهدي بنسعيد، ورئيس المحكمة الدستورية أحمد أمين بنعبد الله، إلى جانب وجوه بارزة من الوسط الإعلامي والمؤسسات الصحافية الوطنية والدولية وثلة من الشخصيات الوازنة في عالم الثقافة والفن والإعلام والسياسة.

هذا الموعد السنوي الذي ينتظره الجسم الصحافي كل سنة بشغف، جاء ليكرس ثقافة الاعتراف بمهنيي الكلمة والصوت والصورة، ممن استطاعوا، طيلة سنة كاملة، تقديم أعمال رصينة ومؤثرة، كشفت قضايا المجتمع، وأضاءت مناطق الظل، ورفعت مستوى النقاش العمومي، رغم كل التحديات التي يواجهها القطاع.

وقد بدأ الحفل بتكريم رمزين من رموز الإعلام الوطني عبر منح الجائزة التقديرية مناصفة لكل من الصحفي والكاتب نعيم كمال، أحد الأسماء التي بصمت الصحافة المغربية بقلمها وعمقها الفكري، والمرحوم سعيد الجديدي، أحد أعمدة القسم الإسباني بالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة. هذا التكريم المزدوج حمل رسائل واضحة حول استمرارية العطاء الإعلامي بين جيل صنع التأسيس وجيل يستكمل البناء.

كما شهد الحفل تكريم الصحافيين المغاربة العاملين بالمؤسسات الإعلامية الأجنبية، في اعتراف بأدوارهم في تمثيل المغرب إعلاميا في الخارج، حيث توج كل من جواد بادة، الوجه المعروف في شبكة “بي إن سبورت”، والذي رسخ مكانته في التعليق الرياضي عالميا، وفاطمة الزهراء بوعزيز، مراسلة وكالة الأنباء الإسبانية بالمغرب، التي قدمت أعمالا متوازنة وعميقة في السياقين المغربي والدولي.

وتواصل الحفل بالإعلان عن الفائزين في مختلف الأصناف، حيث أبانت نتائج هذه الدورة عن تنوع القضايا والمواضيع التي اشتغل عليها الإعلاميون، وعمق المقاربات المهنية التي ميزت أعمالهم.

ففي صنف التلفزة، توج مناصفة كل من الصحفي عبد الله جعفري من قناة “ميدي 1 تيفي” عن عمله الوثائقي الذي تناول تجربة أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، كإحدى أبرز تجارب تأهيل الأجيال الرياضية بالمغرب، مبرزا كيف تحولت رؤية ملكية إلى مشروع تكويني ضخم أفرز طاقات وطنية تنافس عالميا.

والصحفي يونس البضيوي من القناة الثقافية عن عمله حول الوقف العلمي بالمغرب، الذي أعاد من خلاله تسليط الضوء على مؤسسة الوقف كرافعة حضارية وثقافية تمتد جذورها إلى قرون.

وفي مجال الإذاعة، أفلحت الصحفيتان نبيلة قميمي ومونية عرشي من الإذاعة الوطنية في اقتناص الجائزة مناصفة، بأعمال تراوحت بين نبش تاريخ المسيرة الخضراء كحدث وطني متجدد الدلالات، وتناول النقاش الاجتماعي والقانوني المرتبط بإصلاح مدونة الأسرة، بما يحمله من آمال وانتظارات، حيث نالت قميمي الجائزة عن عملها بعنوان “المسيرة الخضراء .. مسارات أمة وإنجازات ملك وشعب”، وعرشي عن عملها “مقترحات تعديل مدونة الأسرة بين الجدل وتطلعات الأسرة المغربية”.

أما في صنف الصحافة المكتوبة، فعادت الجائزة إلى نبيلة باكاس الصحفية بصحيفة (le matin) عن عملها بعنوان ” les hôpitaux publics.. comment les agents de sécurité dictent leur “loi. “الذي كشف بكثير من المهنية عن واقع بعض المستشفيات العمومية، مسلطا الضوء على ممارسات غير قانونية لبعض عناصر الأمن الخاص، ما أعاد النقاش حول خدمات الصحة العمومية وحقوق المرضى إلى الواجهة.

وفي صنف الصحافة الإلكترونية، كانت الجائزة من نصيب الصحافية خديجة عليموسى من “تيل كيل عربي”، عن تحقيق استقصائي تناول قضية تجنيد الأطفال داخل مخيمات تندوف، بعنوان “تجنيد الأطفال بتيندوف.. حين تغتال البوليساريو البراءة وتصنع الإرهاب من دموع الأمهات”، مسجلا بذلك سبقا إعلاميا لامس جذور الظاهرة، وسرد شهادات أمهات وأسر أنهكها الألم.

وواصلت وكالة المغرب العربي للأنباء حضورها القوي عبر فوز الصحافي محمد حدادي بجائزة “صحافة الوكالة” عن روبورتاج إنساني بعنوان “السبحة نجمة تعلو في سماء هدايا ضيوف الرحمان بدون منازع”، تناول من خلاله رمزية “السبحة” كإحدى الهدايا الأكثر تداولا بين الحجاج، مسلطا الضوء على بعدها الثقافي والاجتماعي.

وفي صنف التحقيق الصحفي التلفزيوني، توج الصحافيان أسماء عينون وزكرياء الضلفي من القناة الثانية عن عملهما ضمن “برنامج مختفون.. قضية مروان المقدم”، والذي أعاد فتح ملف اختفاء الشاب مروان المقدم، كاشفا معطيات إنسانية وقانونية جديدة في قضية أثارت اهتماما واسعا.

ولم يغب الحضور الثقافي والهوياتي عن منصة التتويج، حيث آلت جائزة الإنتاج الأمازيغي مناصفة للصحفي إبراهيم إشوي من الإذاعة الأمازيغية عن عمله “تاضا.. حين سبق العرف القبلي الأمازيغي القانون الدولي في حل المنازعات”، الذي أبرز من خلاله كيف تفوق العرف القبلي الأمازيغي في حل النزاعات، وللصحفية فدوى أمغار عن عملها “جمع المحار بإقليم تيزنيت”، مقدمة صورة حية عن كفاح نساء إقليم تيزنيت ومعاناتهن في جمع المحار.

كما توج بجائزة الإنتاج الصحفي الحساني، كل من الصحفي الشيخ ماء العينين من إذاعة العيون عن عمله بعنوان “الطريق السريع تيزنيت الداخلة.. شريان التنمية والسيادة”، وغالي كارحي من قناة العيون عن عمله “الخيل في وادنون .. صهيل الذاكرة”. أعمال جمعت بين استحضار التاريخ والبنية الاقتصادية والثقافية، بدء من مشروع الطريق السريع تيزنيت–الداخلة، وصولا إلى رمزية الخيل في وادنون كجزء من الذاكرة الجماعية للمنطقة.

وآلت جائزة الصحافة الجهوية للصحفي الحافظ ملعين من الموقع الإخباري “العيون الآن” عن عمله بعنوان “المسيرة الخضراء .. نصف قرن من الوفاء”.

كما تميزت هذه الدورة بحضور قوي للصحافة الجهوية، التي أصبحت تشكل رافعة أساسية لتعزيز الإعلام القريب من المواطن وقضاياه اليومية، حيث آلت جائزة الصحافة الجهوية للصحفي الحافظ ملعين من الموقع الإخباري “العيون الآن” عن عمله بعنوان “المسيرة الخضراء .. نصف قرن من الوفاء”. الذي أعاد من خلاله قراءة حدث المسيرة الخضراء برؤية تحليلية وتوثيقية تستحضر رمزية هذا الحدث الخالد في الذاكرة الوطنية، وتبرز كيف تحول بعد خمسة عقود إلى مدرسة في الوطنية والتعبئة الشعبية، وإلى رصيد استراتيجي يوحد المغاربة حول قضية الصحراء المغربية.

واعتبر هذا التتويج تكريما للإعلام الجهوي بالأقاليم الجنوبية، واعترافا بجودة الإنتاجات الصحفية المحلية وقدرتها على مواكبة التحولات التنموية والسياسية التي تشهدها المنطقة.

كما أسفرت مداولات لجنة التحكيم عن حجب الجائزة في صنف الكاريكاتير، لعدم استيفاء الأعمال المتوصل بها للمعايير المهنية والفنية المطلوبة، وهو ما اعتبرته اللجنة خطوة تحفيزية للرفع من جودة الإسهامات في الدورات المقبلة.

وفي سياق الاحتفاء بالأسماء التي بصمت المشهد الإعلامي الوطني، تم تكريم مجموعة من الشخصيات الإعلامية التي أغنت الحقل الصحفي لعقود من الزمن، ويتعلق الأمر بكل من الإعلامية ليلى ماء العينين، والصحفي محمد ضاكة، والكاتب والصحفي المخضرم محمد الصديق ماعنينو، إضافة إلى الإعلامي الرياضي المعروف لينو باكو، في اعتراف رمزي بمسارات مهنية مشرقة تركت بصمتها في الذاكرة الإعلامية المغربية.

وفي كلمة بالمناسبة، أكدت رئيسة لجنة تحكيم هذه الدورة، فاطمة الزهراء الورياغلي، أن دورة سنة 2025 تحمل رمزية خاصة نظرا للزخم المهني الذي ميزها، مشيرة إلى أن عدد الترشيحات النهائية بلغ 156 عملا صحفيا في مختلف الأصناف، وهو رقم يعكس – بحسب قولها – الحيوية المتجددة التي يعرفها المشهد الإعلامي الوطني، ومستوى الاحترافية الذي وصل إليه الصحافيون المغاربة في مقاربتهم للمواضيع ومعالجة القضايا العامة.

وأضافت الورياغلي أن تنوع المشاركات وجودتها يشهدان على التزام الصحافيين بمهنتهم وعلى وعيهم بأهمية تقديم محتوى رصين ومسؤول للرأي العام، في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها الإعلام وطنيا ودوليا.

كما استعرضت رئيسة لجنة التحكيم عددا من التوصيات التي خلصت إليها اللجنة بعد أسابيع من العمل والانتقاء، من بينها إحداث جائزة خاصة بالتقديم والحوار، باعتباره عملا مهنيا متكاملا يتطلب مهارات خاصة في إدارة النقاش العمومي وصياغة الأسئلة والتفاعل مع الضيوف.

وأوصت اللجنة كذلك بإحداث جائزة للصحافة الرياضية تقديرا للإبداع المتزايد في هذا المجال وللدور المتنامي للإعلام الرياضي في تنمية الوعي الجماعي وترسيخ قيم الروح الرياضية. ومن بين التوصيات أيضا إعادة النظر في بنية الجائزة من خلال إقرار جوائز للرتبتين الثانية والثالثة في مختلف الأصناف، قصد تشجيع مزيد من الصحافيين وتحفيزهم على الارتقاء بجودة أعمالهم.

للتذكير، لجنة تحكيم هذه الدورة ضمت إلى جانب الورياغلي نخبة من الشخصيات الإعلامية والأكاديمية، وهم: محمد توفيق الناصري، محسن بنتاج، عبد اللطيف بنصفية، سناء رحيمي، محمد الزواق، فاطمة أنجدام، عادل العلوي، محمد بورويص، أحمد الأرقام، ويوسف البلهيسي، الذين ساهموا جميعا في تقييم الأعمال المشاركة وفق معايير مهنية دقيقة تراعي الجودة والابتكار والالتزام بأخلاقيات المهنة.

هذه الدورة من الجائزة الوطنية الكبرى للصحافة لم تكن مجرد مناسبة سنوية، بل شكلت حدثا أعاد التأكيد على أن الإعلام المغربي، رغم التحديات المهنية والتحولات التكنولوجية والسياسية، يظل قادرا على إنتاج محتوى قوي ومؤثر، وعلى مواصلة دوره في تنوير الرأي العام، ورصد نبض المجتمع، والدفاع عن القيم الديمقراطية بمهنية عالية.

التعليقات مغلقة.