الساعة الإضافية في المغرب… جدل لا ينام بين زمن الدولة وإيقاع المواطن

الانتفاضة // نور الهدى العيساوي

لا يزال الجدل حول الساعة الإضافية في المغرب قائمًا منذ اعتمادها الدائم سنة 2018، وكأنها قضية صغيرة في ظاهرها، لكنها في عمقها تمس علاقة المواطن بالزمن وبالإدارة وبإيقاع الحياة نفسه.

إنها ساعة واحدة فقط، لكنها كفيلة بأن تقلب تفاصيل اليوم رأسًا على عقب، وتثير جدلاً لا يهدأ بين من يراها رمزًا للتنظيم والعصرنة، ومن يعتبرها عبئًا يوميًا يربك الإيقاع الطبيعي للحياة.

تتغير الأوقات، لكن ضوء الصباح يبقى كما هو، حائرًا بين ساعة رسمية لا تشبه شروق الشمس، وساعة داخلية يضبطها الجسد على عادته القديمة. فالتلميذ الذي يغادر بيته في عتمة الفجر، والعامل الذي يتسابق مع ضوء مصابيح الشوارع ليصل إلى عمله، كلاهما يشعر أن الزمن لم يعد كما كان. وكأننا نعيش في بلدين يفصل بينهما فارق ساعة واحدة فقط، لكنها كافية لتغيير المزاج والنبض والنوم وحتى الإحساس بالوقت

تقدّم الحكومة مبرراتها بلهجة الاقتصاد والعقلانية، مؤكدة أن التوقيت الصيفي الدائم يهدف إلى تحسين النجاعة الطاقية وتقليص استهلاك الكهرباء، فضلاً عن توحيد التوقيت مع الشركاء الأوروبيين، وهو ما يسهل التبادل التجاري والإداري. وتضيف الجهات الرسمية أن هذا الإجراء يساعد في الاستفادة من فترات الإضاءة الطبيعية، ما يعني تخفيف الضغط على الشبكات الكهربائية خلال ساعات الذروة. هذه المبررات، من الناحية التقنية، تبدو منطقية في إطار السياسات العمومية التي تبحث عن الفعالية
لكن في المقابل، يطرح المواطنون أسئلة مختلفة لا تنتمي إلى لغة الأرقام بقدر ما تعبّر عن تفاصيل الحياة اليومية. فالتوقيت الجديد غيّر عادات الناس، وأربك ساعات نوم الأطفال، وجعل الكثيرين يبدأون يومهم قبل طلوع الشمس. في المدن الكبرى، يصحو التلاميذ على عتمة الصباح ليقطعوا مسافات طويلة إلى مدارسهم، بينما تتسلل برودة الفجر إلى وجوههم. وفي القرى، يختلط زمن المدرسة بزمن الفلاحة، فيضطر الأهالي إلى إعادة تنظيم حياتهم حول ساعة لا تشبه الزمن الطبيعي الذي اعتادوه.
ومن زاوية اجتماعية أعمق، يعكس الجدل حول الساعة الإضافية شكلًا من أشكال التباين بين منطق الدولة ومنطق المواطن. فالدولة تنظر إلى الزمن كأداة للتدبير والتنظيم، بينما يراه المواطن إيقاعًا للحياة ومصدرًا للتوازن النفسي والجسدي. وحين يُفرض تغيير الزمن بقرار إداري دون حوار مجتمعي كافٍ، تنشأ فجوة في الثقة، ويتحوّل النقاش إلى رمز لعدم الإنصات المتبادل بين السلطة والمجتمع.

ورغم محاولات الحكومة تخفيف هذا الإرتباك من خلال تعديلات ظرفية في أوقات الدراسة والإدارة خلال فصل الشتاء، إلا أن هذه الحلول الجزئية لم تُنهِ الإشكال، لأنها لم تلامس جوهر القضية، فالمسألة ليست تقنية فقط، بل ثقافية ونفسية أيضًا، إذ أنّ إيقاع الإنسان لا يُضبط بقرار، بل يحتاج إلى وقت للتأقلم وإلى سياسة تراعي البعد الإنساني إلى جانب البعد الإقتصادي.

ومهما اختلفت المواقف، يبقى هذا النقاش في جوهره مرآةً لعلاقة المغرب بالزمن والتخطيط العمومي، فالزمن ليس مجرد عقارب تتحرك على جدار، بل هو أحد المكونات الخفية لهوية المجتمع، ومؤشر على مدى التوازن بين متطلبات الدولة وراحة المواطن.

وربما لهذا السبب، يستمر الجدل كل عام، لأن الساعة الإضافية لم تعد مجرد ساعة، بل أصبحت رمزًا لطريقة إدارة الوقت في بلد يعيش تحولات سريعة، ويحاول أن يوفق بين إيقاع العالم الخارجي وإيقاعه الداخلي الخاص.

التعليقات مغلقة.