الانتفاضة // ✍️ محمد بوزكيري // عضو المجلس الوطني لهيئة المتقاعدين المغاربة
في الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن “الإصلاح الشمولي” لأنظمة التقاعد، يطفو إلى السطح واقع آخر أكثر قتامة، يختبئ في دهاليز الصندوق المغربي للتقاعد، حيث تتقاطع المصالح ، وتتوارى الشفافية خلف أسوار ثقيلة من الغموض الإداري والمالي .
فعلى الرغم من أن الصندوق مؤسسة عمومية تخضع لوصاية وزارة المالية، وتفترض فيها معايير الحكامة الجيدة والمساءلة، إلا أن ما يجري داخله و أدى الى تراكم الأختلالات وعجز مالي هيكلي ، يكشف عن نمط سائد لتدبير مثقل بالشبهات ،تحكمه عقليات الريع وتتحكم فيه شبكة مصالح مترابطة تشبه “لوبيات” صغيرة لكنها نافذة ، تتغذى من الامتيازات وتستفيد من غياب الرقابة الفعلية .
ورغم أن مجلس الإدارة يفترض أن يكون فضاء ديمقراطيا تعرض فيه الملفات للمناقشة والمصادقة ، إلا أن ما يتردد من أن تمثيلية المتقاعدين داخله لا تتعدى جمعيات “شبحية” مستغلة لا تحمل أي قوة اقتراحية لمعاكسة الشبهات ، الشيء الذي يطرح أسئلة جدية حول مدى مشروعية القرارات المتخذة باسمه ، وحول من يمثل فعلا المتقاعد المغربي في هذا المجلس .
الأدهى من ذلك أن أجهزة الرقابة الدستورية، من مفتشيات وزارة المالية إلى المجلس الأعلى للحسابات، تبدو وكأنها غائبة أو مغيبة. فالتقارير التي تصدر دوريا عن المجلس الأعلى للحسابات لم تتضمن منذ سنوات أي ملاحظات أو توصيات صارمة حول وضعية نفقات التسيير ، أو حجم الأجور العليا و مستوى كتلتها و حجم العلاوات داخل الصندوق ، أو حتى حول طبيعة الاستثمارات التي تُصرف فيها مليارات من احتياطات المدخرات دون شفافية كافية أو مردودية واضحة لغياب رأي المتقاعد بالمجلس الاداري .
وما يزيد من مفارقات المشهد ، رغم تطور حجم النفقات ، أن مستخدمي الصندوق أنفسهم خاضوا إضرابات متكررة للمطالبة برفع أجورهم وتحسين أوضاعهم ، وهو حق مشروع طبعا ، لكن المفارقة المؤلمة تكمن في أن المؤسسة التي يفترض أن تصون معاشات المتقاعدين و في نظر الكثيرين أصبحت نموذجا للخلل في التدبير وللاستهتار بالمال العام وبمصالح المتقاعد .
هذا العبث الإداري والمالي ليس عرضيا، بل هو بنيوي وهيكلي، تقف خلفه وفي بنائه “ديناصورات” اعتادت استنزاف موارد واحتياطات الصندوق وتوجيهها نحو مسارات بعيدة عن أهدافها الأصلية . فكل محاولة لإصلاح بعمق المنظومة أو رفع قيمة المعاشات تواجه بمناورات متكررة تسعى إلى إبقاء الوضع كما هو عليه خدمة لمصالح ضيقة .
والأخطر أن هذا الواقع يتزامن مع ما يسمى “مشروع الثالوث الملعون” الذي تتشبث به الحكومة في إطار ما تسميه إصلاحا هيكليا لمنظومة التقاعد ، وهو في حقيقته توسيع لنطاق الخلل، وشرعنة لتدبير فاسد قائم منذ بدء العمل بنشاط الصندوق على حساب الأطياف و الفئات الهشة من المتقاعدين.
لقد تحول الصندوق المغربي للتقاعد إلى نموذج حي لكيفية تواطؤ الفساد الإداري السائد منذ امد مع ضعف الرقابة وغياب الإرادة السياسية للإصلاح الحقيقي . وإزاء هذا الوضع ، فإن صمت المؤسسات الرقابية لم يعد مقبولا ، كما أن استمرار الحكومة في تجاهل مطالب المتقاعدين يزيد من اتساع فجوة الثقة بين المواطن والدولة .
إن إصلاح أنظمة التقاعد لن يتحقق بالشعارات أو بالبلاغات التقنية، بل بمحاسبة المسؤولين عن العبث الذي طال أموال المتقاعدين ، وبتحقيق شفاف يضع حدا لهذا الفساد المركب الذي يهدد اليوم استدامة نظام التقاعد وتوازناته المالية ومستقبل فئة واسعة من أبناء هذا الوطن .
التعليقات مغلقة.