الأسر المغربية بين “الإنهيار الصامت” و العجز عن الإدخار : مشاهد من معركة البقاء المالي

الانتفاضة

لم يعد العجز عن الإدخار عند الأسر المغربية مجرد أشرطة إخبارية تُقرأ، بل صار شيئا مألوفا عند الأسر.

اليوم، تتحدث الشوارع بصدى اليأس المالي، و تعترف الأسر بما لا يُراد أن يُقال : إنها باتت عاجزة عن الإدخار، و أمام تودّع متدرّج لما تبقى من إستقرار.

من إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط تأتي الصدمة بوضوح صريح : في الفصل الثاني من سنة 2025، صرّحت 76 في المائة من الأسر المغربية بأن مستوى معيشتها تدهور خلال الإثني عشر شهراً السابقة، فيما لا يتجاوز عدد الأسر التي تمكنت من إدخار جزء من مداخيلها نسبة 1.8 في المائة فقط.

أما في أوائل العام ذاته، فقد أكّدت مذكرة أخرى أن 11.2 في المائة من الأسر المغربي فقط ترى في نفسها القدرة على الإدخار خلال الأشهر المقبلة، فيما تبلغ النسبة المتبقية 88.8 في المائة من الأسر غير القادرة على ذلك.

ما بين تدهور القدرة الشرائية و نقص الأمل في المستقبل، تتشبث بعض العائلات بذكريات أيام لم تكن فيها المصاريف تبتلع المداخيل، لكن الزمن لا يجاري هذه الذكريات. و في حديث مع أم لأربعة أطفال في حي شعبي بالدار البيضاء، تقول بصوت خفيض :

“قبل سنوات، كنا نفتح حساباً إدخارياً صغيراً، اليوم بالكاد نغطي ثمن الغذاء. ما تبقى من الأجور يذوب في فاتورة الماء و الكهرباء.”

هذه الحكايات ليست معزولة، بل مجسَّدة في مؤشرات مقلقة : أكثر من 90 في المائة من الأسر تعلن، حسب الأرقام الرسمية، أنها غير قادرة على الإدخار.

و في الفصل الثاني من عام 2024، أفادت المندوبية أن 82.1 في المائة من الأسر قد صرّحت بتدهور مستوى المعيشة، و أنه لا يتجاوز عدد الأسر القليلة التي إدخرت نسبة 2.1 في المائة. هنا، أمام هذا الواقع الكئيب، يُطرح السؤال الملح : كيف وصلت هذه الأسر إلى مرحلة التعليق المالي ؟

أولاً، يُعزى الأمر إلى الإرتفاع المتواصل في أسعار المواد الغذائية، حيث صرّحت نحو 96 في المائة من الأسر بأن هذه الأسعار شهدت تصاعداً خلال الإثني عشر شهراً الماضية.

ثانيًا، لاحظت الأسر أن الدخل لم يعد يتماشى مع التكاليف المتعثّشة. فبينما 55.8 في المائة من الأسر في الفصل الأول من 2025 قالت أن مداخيلها تغطي مصاريفها فقط، فإن 42 في المائة إستنزفت مدخراتها أو لجأت إلى الإقتراض.

ثالثًا، هنالك تآكل في الثقة بالمستقبل؛ إذ تتوقع نسبة كبيرة من الأسر أن وضعها المالي سيتدهور في الشهور القادمة، و ليس من بينها من يتوقع تحسناً جذرياً.

و مع ذلك، لا يمكن إعتبار هذا التدهور مجرد أرقام جامدة. فما نراه من قصص يومية يتجاوز الأرقام إلى وجع عائلات تدخل في دائرة مفرغة : المدخرات تضيع، الديون تتراكم، و الخيارات تضيق.

لا مزيد من الشعارات عن “الإستقرار” أو “النمو المنتظر.” الأمر ليس أزمة ميقاتية فحسب، بل تحوّل في هيكل القدرة المعيشية.

فحينما تفقد الأسر القدرة على الدفع أو الإدخار، ينكسر جزء من التوازن الإجتماعي. و في هذه اللحظة، يتطلب الأمر حلولاً سريعة و نافذة، تبدأ برفع الأجور الحقيقية، و إصلاح شبكات الدعم الإجتماعي، و إعادة تقييم السياسات الضريبية و التمويلية بحيث لا تبقى العبء الأكبر على الفئات التي لم تعد تطاق أبداً.

التعليقات مغلقة.