الانتفاضة // حسن المولوع
لم تكن احتجاجات جيل Z حدثا عابرا في المشهد السياسي المغربي ، بل كشفت عن تحولات عميقة في بنية الوعي الجماعي لجيل نشأ في سياق رقمي مفتوح ، لا تؤطره الأحزاب ولا النقابات ، ولا تؤثر فيه أدوات التعبئة التقليدية .. هذا الجيل الذي تشبّع بثقافة الاحتجاج في مساره الدراسي والجامعي ، اختار النزول إلى الشارع ليعبر عن سخطه ، رافعا مطالب اجتماعية واقتصادية في زمن تتسع فيه الهوة بين الخطاب الرسمي وانتظارات المواطنين ..
غير أن ما ميز هذه الاحتجاجات هو الانزلاق المفاجئ من سلمية الأيام الأولى إلى أحداث عنف وتخريب في اليوم الرابع .
وهنا يبرز السؤال الجوهري.. هل يتعلق الأمر بعفوية تحولت إلى فوضى ، أم أن هناك من دخل على الخط لإعادة تشكيل مسار الحراك؟
هذه ليست المرة الأولى التي يعرف فيها المغرب موجة احتجاجات واسعة .
فقد كانت أحداث 1965 بالدار البيضاء محطة فارقة ، حيث خرج التلاميذ ثم انضمت إليهم فئات اجتماعية أخرى ، قبل أن تواجههم الدولة بصرامة شديدة .
وفي سنة 1981، عاشت الدار البيضاء ما سمي آنذاك بـ”انتفاضة الكوميرا”، حين انفجر الغضب الشعبي بسبب غلاء الأسعار وارتفاع تكاليف المعيشة ، وهو ما أدى إلى مواجهات دامية خلّفت صدمة عميقة في الذاكرة الجماعية .
وبعدها بثلاث سنوات ، شهدت مدن أخرى مثل الناظور ومراكش أحداثا مشابهة .
وفي 2011 ، أطلقت حركة 20 فبراير دينامية احتجاجية رفعت شعارات إصلاحية وسياسية قوية ، وأفضت إلى مسار تعديل دستوري مهم..
ما يجمع هذه المحطات التاريخية هو أنها جميعا أعادت طرح السؤال ذاته.. كيف يمكن للدولة أن توازن بين حفظ الاستقرار وضمان حرية التعبير ؟
هذا السؤال هو نفسه الذي يطرح اليوم مع احتجاجات جيل Z، غير أن الفرق الجوهري يتمثل في أن المغرب اليوم يتوفر على دستور 2011 الذي رسم معالم دقيقة للعلاقة بين الحق في التظاهر ومتى يمكن الحديث عن حالة الاستثناء.
الفصل 59 من الدستور يحدد بوضوح أن حالة الاستثناء لا تُعلن إلا إذا كانت حوزة التراب الوطني مهددة ، أو وقع ما يعرقل السير العادي للمؤسسات الدستورية .. بالمقابل ينص الفصل 29 على أن التظاهر السلمي حق مضمون لكل المواطنين.. ومن هذا المنطلق، فإن ما وقع لا يرقى إلى تهديد الوحدة الترابية ولا أدى إلى تعطيل المؤسسات ، فالحكومة ما زالت تمارس مهامها ، والبرلمان قائم ، وباقي المؤسسات تشتغل .. لذلك فإن الحديث عن إعلان حالة الاستثناء يبقى مبالغا فيه دستوريا..
أما توصيف ما جرى، فإنه لا يدخل في خانة العصيان المدني الذي يفترض تنظيما واعيا والتزاما صارما بالسلمية وامتناعا مدروسا عن قوانين محددة كأداة ضغط .
بل إن ما وقع أقرب إلى احتجاجات مشروعة انزلقت إلى أعمال شغب .
إن ما يجري اليوم يعيد تذكيرنا بأننا أمام فجوة آخذة في الاتساع بين الدولة والمجتمع .
فجوة تجعل جيل Z، الخارج من رحم الفضاء الرقمي ، أقل ثقة في مؤسسات الوساطة التقليدية، وأكثر استعدادا لاعتبار الشارع فضاء وحيدا للتعبير .
وهنا تكمن خطورة اللحظة فإذا غاب الحوار ، يصبح العنف واردا ، ويغدو الأمن وحده غير كاف لضبط الأوضاع ..
الدولة اليوم أمام خيارين: خيار أمني يقوم على ضبط الشارع بقوة القانون ، وهو حل قصير المدى قد يزيد من تعميق القطيعة ، وخيار سياسي يقوم على الإنصات وفتح قنوات جديدة للحوار وصياغة سياسات عمومية تستجيب لانتظارات هذا الجيل.
لسنا إذن أمام عصيان مدني منظم ، ولسنا أمام مبرر لإعلان حالة الاستثناء .
نحن أمام احتجاجات مشروعة انزلقت إلى الشغب، ما يفرض معالجة مزدوجة: تدخل أمني في مواجهة التخريب لكن بتعقل وذكاء ، وحكمة سياسية في الإنصات إلى جيل لم يعد يقنعه خطاب التطمين التقليدي .
وبهذا المعنى، فإن احتجاجات جيل Z ليست مجرد حدث ظرفي، بل امتداد لمسار طويل من التوترات الاجتماعية والسياسية التي عرفها المغرب منذ 1965، وهي جرس إنذار جديد يدعو الدولة إلى أن تعي أن الاستقرار لا يتحقق بالاستثناء، بل بالإصلاح، ولا يترسخ بالقوة، بل بالثقة ..
التعليقات مغلقة.