الانتفاضة // حسن المولوع
ما إن أُحيل مشروع القانون الخاص بالمجلس الوطني للصحافة على البرلمان، حتى خرج عبد الكبير أخشيشن، رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية، ببلاغ باهت، بارد، بلا موقف، ولا لون ولا رائحة. بلاغ لا يُفهم منه إلا شيء واحد..أن الرجل لا علاقة له بالنضال من أجل المهنة، وأنه لا يمثل إلا نفسه ومصالحه الضيقة بعد تقاعده من جريدة الأحداث المغربية.
وحين ضُربت حساباته في الصفر ، وأدرك أن طريق المجلس الوطني لم يعد سالكا، تَحوّل فجأة إلى “مناضل” بالصدفة، لكنه لم يتحلَّ بالجرأة الكافية للكشف عن المذكرة الغامضة التي يقول إنه أعدّها، دون أن يكشف تفاصيلها، ولا مضمونها، ولا حتى الجهة التي استشارها. فحسب ما يروج، فإن تلك المذكرة كانت جزءا من خطة لشرعنة التعيين في المجلس، وحين تبيّن له أن التعيين لن يشمله، تحوّل إلى مدّعٍ للنزاهة ومدافع عن الاقتراع!
حاول أخشيشن، من خلال هذا البلاغ، أن يسطو بوقاحة على مجهودات غيره، وعلى رأسهم عبد الله البقالي ويونس مجاهد وأعضاء المكتب التنفيذي السابق، مُلبّسا على الرأي العام أن تلك المنجزات من صنيعه، من كرونولوجيا الاجتماعات إلى الندوة الدولية، التي يعلم الجميع أن من نظمها هو عبد الله البقالي. فماذا فعل عبد الكبير طيلة سنة ونصف من توليه رئاسة النقابة؟
الجواب: لا شيء. صفر منجزات، صفر مواقف، صفر أفعال.
كل ما قام به هو تواطؤ صريح ومدروس مع من يطبخون القوانين في الخفاء، فقط ليضمن لنفسه مقعدا دافئا في المجلس الوطني القادم، بعدما تم التمديد له عمدا داخل الأحداث المغربية بمجرد بلاغه سن التقاعد ليتفادى تصنيفه كـ”صحافي شرفي”، ويُعتبر “متعاقدًا”، مما يخوّله قانونيا الترشح.
لم يسجل بلاغه أي موقف حقيقي من المشروع القانون المعيب سوى عبارات عائمة.. إعداد مذكرة تقنية، تنظيم ندوة صحفية، الانفتاح على الفرق البرلمانية، متابعة الملف، التمسك بروح إيجابية… وكأننا أمام رئيس جمعية للأمل الإنساني والعلاقات الرومنسية ، لا نقيبا لصحافيي هذا البلد!
بلاغ جبان يُخفي ما لا يستطيع أخشيشن أن يقوله، ويغطي على واقع يعرفه كل من في الوسط أن الرجل ليس جزءا من الحل، بل جزء من المشكل.
والدليل؟ حديثه المفضوح عن نمط الاقتراع. فقد كان يراهن على النمط اللائحي ليُخفي ضعفه، ويقحم معه من يشاء من “المقربين”، فقط ليضمن عبوره إلى المجلس عبر قائمة، مثلما يختبئ العاجزون في ظلال الأقوياء. أما الاقتراع الفردي، فهو كاشف، وفاضح، ويضع كل اسم أمام حقيقته ، وأخشيشن يعرف أنه لا يملك قاعدة انتخابية حقيقية، لأنه ببساطة صحافي غير معروف، لا يخدم الصحافيين، ولا يدافع عن قضاياهم، ولا يحل ملفاتهم.
بل أكثر من ذلك، هو من الذين إذا دخلوا ملفا أفسدوه. لنأخذ مثال بطاقة القطار الخاصة بصحافيي الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، التي كان فيها جزءا من المشكل لا من الحل، ثم ملف الزميل وديع دادا، حيث دخل على الخط فقط لتصفية حسابات شخصية مع مدير الأخبار، ففشل في الانتقام، وفشل في الحل، وكانت النتيجة أن غادر وديع القناة الثانية، بمرارة وإحباط.
عبد الكبير أخشيشن لا يملك حس النضال، ولا تجربة التفاوض، ولا أخلاق القيادة. كل ما يتقنه هو التقاط الصور الرومانسية لمشاركته في أنشطة مناسباتية، ثم نشرها على فيسبوك بصيغة “أنا هنا”، وكأننا نعيش زمن البطاقات البريدية.
والمضحك والمثير للسخرية أنه فجأة، وبعد أن أُقصي ، تذكّر أنه “مناضل”.. تذكر فجأة أن هناك مذكرة، وملفا، وحقوقا..تَحوّل من مَن شرعن التعيين في الكواليس، إلى بطل مرتجل للعدالة الانتخابية..ما هذا النفاق المهني؟! ما هذا التلون النقابي؟!
وعندما قضوا منه وطرا، مع من تواطأ معهم، رموه كما يُرمى كلينكس مستعمل في سلة مهملات. وها هو الآن يعيش حالة من التشتت الذهني، لا يدري مصيره، ينتظر انتهاء سنة التمديد، ليتقاعد نهائيا في بيته، وتنتهي حكايته كما بدأت: بلا أثر، بلا مجد، بلا مبدأ.
فلْتكن له الجرأة، إن كان يملك ذرة شجاعة، وينشر أمام الرأي العام تلك المذكرة التقنية التي أعدّها بصمت، بتنسيق مع أطراف تعرف جيدا ما كانت تُحاك من خلف الستار. فالصحافيون والصحافيات من حقهم أن يعرفوا التفاصيل الكاملة. من حقهم أن يطّلعوا على ما خُطط لهم دون علمهم. من حقهم أن يكتشفوا من كان يُطبّل للتعيين، ثم، لما لم يُعيَّن، انقلب على المائدة وبدأ يوزّع خطابات الغضب!
المناضل الحقيقي لا ينتظر أن تمسه النار حتى يصرخ، بل يتحرك قبل أن يحترق الجميع. وأخشيشن، بكل بساطة، تحرك فقط عندما شعر أن اسمه قد حُذف من اللائحة، فارتدى فجأة جُبة النضال، بعد أن قضى عمره النقابي في الصمت، وتبادل المجاملات مع من صنعوا الكارثة.
التعليقات مغلقة.