الانتفاضة. بقلم محمد السعيد مازغ
أحيانًا لا تكون المآسي وليدة الصدفة، بل نتيجة تراكم طويل من التجاهل، والإقصاء، والآذان الصمّاء… وما حدث بجماعة أولاد يوسف بإقليم بني ملال ليس استثناءً، بل ناقوس خطر جديد يُدقّ في وجه الجميع، علّنا نصغي هذه المرّة قبل أن تتكرّر المأساة ، ونتعلق بالصمت القاتل.
رجل في أواسط عقده الرابع، صعد إلى خزان مائي مرتفع — يُعرف محليًا بـ”الشاطو” — واعتصم فوقه أيّامًا، مطالبًا فقط بالحقيقة حول وفاة والده الجندي، لم يكن يطلب مالًا، ولا جاها، ولا منصبًا، ولا قوتا يسد به جوعه … كان يحمل وجعًا واحدًا: “هل مات والده ميتة طبيعية أم إن وراء الأكمة ما وراءها ؟”. سؤال مشروع، ثقيل بإنسانيته، لو وُوجه بالإنصات، والاحتواء، لما انفجرت المأساة بهذا الشكل.
وفي لحظة وَثَّقَتْها عيون الحضور، وكاميرات الهواتف تحوّلت القضية من نِداء إنساني إلى حادث عنيف وخطير، إلى جريمة لا تغتفر ، حولت تعاطف الناس معه إلى استنكار وتنديد وغضبا.. احتجز الرجل عنصرًا من الوقاية المدنية، واعتدى عليه بآلة حادة، ثم كبّله ودفعه من أعلى الخزان، ما تسبب له في كسور بليغة، ثم، بعد هذه الحادثة، ألقى المعتصم بنفسه من الخزان، واضعًا حبلًا حول عنقه، ونُقل في حالة حرجة إلى المستشفى الجهوي ببني ملال.
لن ندخل هنا في تفاصيل المتابعة القضائية أو طبيعة التعامل الأمني، فذلك من اختصاص جهات التحقيق.. لكن ما لا يمكن السكوت عنه، هو هذا الخلل العميق في القدرة على الإنصات، وعلى امتصاص الأزمات قبل أن تنفجر.
لقد وقع ما وقع، لأن الرجل لم يُعامل كمواطن له كرامة، وله حق في المعرفة، وله وجع يستحق من يستمع إليه لا من يحاصره…
نحن لا نبرر العنف… بل نُدين كل أشكاله، وندين أيضًا صمتًا مؤسساتيًا يكون أحيانًا هو الشرارة الأولى. لذلك، نطالب اليوم بفتح تحقيق نزيه، شامل، ومسؤول، لا فقط لتحديد المسؤوليات، بل لفهم كيف نصل، مرة بعد مرة، إلى الحافة، دون أن يتنبه أحد.
واقعة “الشاطو” ما كانت لتقع أصلا ، لو وجد الرجل أذنا صاغية، ولو اتخذت الاحتياطات اللازمة، ولو استفدنا من أحداث مماثلة ذهب ضحيتها مسؤولون لا لسبب الا لأنهم حرصوا على تطبيق القانون على مواطن يجهل ما له وما عليه … إن كنا قد تأخرنا، فلنجعل على الأقل من هذه المأساة وقفةً صادقة مع الذات، نراجع فيها كيف نسمع الناس، قبل أن يصرخوا بأجسادهم.
التعليقات مغلقة.