مفهوم العبادة.. أو حينما يثمر الإيمان عملا صالحا

الانتفاضة

إن الإيمان المثمر للعمل الصالح، وعبادة الله الخالصة المثمرة للأخلاق الفاضلة، هما مصدر صلاح الإنسان في هذه الحياة، وأساس الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، مصداقا لقوله تعالى: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مومن فلنحيينه حياة طيبة، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون).
لكن لما خالف بعض الناس وصار الإيمان عندهم مجرد قول باللسان أو اعتقاد بالجنان، لم يثمر ثمراته المرجوة منه في واقع الناس، لم يثمر العمل الصالح الذي قرنه الله به في كتابه، حيث إن القرآن الكريم مليء بالآيات التي تربط بين الاثنين، ولا يكاد يذكر أحدهما إلا ملازما لصاحبه، لينتبه المسلم إلى أهميتهما معا، فلا يهتم بأحدهما ويهمل الآخر: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا)، (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا خالدين فيها لا يبغون عنها حولا)، (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الانهار في جنات النعيم) ، (ومن ياته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى) وغير ذلك من الآيات التي قرن الله فيها الإيمان بالعمل الصالح، مما يعني أن الإيمان الذي لا يثمر العمل الصالح هو إيمان ضعيف ناقص.
ثم أيها الكرام إن لكل عبادة شرعها الله أسرارها وأنوارها ومزاياها وفوائدها يؤديها العبد فيكسب بها رضى الله تعالى، وتثمر ثمرات تنفع صاحبها، كما تنفع أهله وأولاده وعائلته وجيرانه ومحيطه ومجتمعه.
ولهذا فالواجب على المسلم أن يحاول فهم ما أراد الله من التشريع، فالله عز وجل لم يشرع الصلاة لكي يقوم الإنسان بحركات رياضية من قيام وقعود وانحناء وإنما شرعها لكي يستشعر الإنسان عظمة الله عز وجل في صلاته وليتعرض لنفحات الله في صلاته، وتثمر ثمرات بينها سبحانه بقوله: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون)
والزكاة ليست مالا تعطى للفقراء والمساكين فقط، وإنما هي عبادة غايتها تطهير الإنسان من البخل والشح، وتطهير نفسه من أمراضها المختلفة، وتطهير المجتمع من الحقد والحسد والبغضاء، لنشر المحبة والألفة والأخوة بين الناس، كما قال سبحانه: (خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم).
والصيام ليس المقصود منه الجوع والعطش فقط وإنما أن يؤتي ثماره المرجوة منه، ويزكي نفس الصائم، ويطهرها من أدناسها وأرجاسها، ويهذب لسانه وجوارحه، ويهذب أخلاقه، وبذلك يكون من المتقين.
وعندما يذهب الناس إلى الحج فيقفون على صعيد عرفات إن لم يذكرهم هذا الموقف بيوم القيامة يوم يقف الناس لرب العالمين لا فائدة من وقوفهم، إن لم يذكرهم لباس الإحرام الأبيض بلباس الكفن الأبيض ليبيضوا ويطهروا باطنهم كما بيضوا وطهروا ظاهرهم فلا خير في إحرامهم، وإذا لم يهذب الحج أخلاق الحجاج ويرجعوا مطهرين من الذنوب والأوساخ المعنوية مطهري القلوب والنفوس والأخلاق فلا خير في حجهم.
ويوم الجمعة الذي هو يوم عيد للمسلمين إذا فقد روحه وفقد بهاءه وصارت خطبة الجمعة وصلاتها مجرد عادة أسبوعية، فإنها لن تثمر الثمرات المرجوة منها من التذكير بالله والدار الآخرة، وإصلاح الإنسان عقيدة وعبادة وأخلاقا وسلوكا ومعاملة، وهذا ما يرجوه العلماء والخطباء والوعاظ من دروسهم وخطبهم ومواعظهم، وذلك أن يرتقي الناس من مجرد القول والسماع إلى التطبيق العملي لما يقولون ويسمعون، ولا خير فينا إذا قلنا ولم نعمل، ولا خير في الناس إذا سمعوا ولم يفعلوا، ولا خير في الدروس والخطب والمواعظ إذا لم تترجم إلى سلوك وعمل في حياة الناس، ولم تثمر الحياة الطيبة، التي يرجوها جميع الناس.
والمطلوب من المسلم أيها الكرام أمران: الأول: أن لا تتحول عباداته إلى عادات، ولا تثمر ثمرات، والثاني: أن تتحول عاداته إلى عبادات، وهذه نعمة من نعم المولى جل وعلا من بها على عباده، فكل عادة نويت بها نية طيبة صالحة صارت بمجرد النية عبادة، قال الله تعالى: (قل ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين).
فكل حياة المسلم عبادة لله رب العالمين، وما ذلك إلا بحسن نيته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى”.
1- كيف يكون نومنا عبادة؟ سئل معاذ بن جبل رضي الله عنه كيف تقرأ القرآن ؟ فقال: أنامُ أوَّلَ الليلِ، فأقومُ وقد قضَيْتُ جُزئِي من النومِ، فأقرأُ ما كتبَ الله لي، فأحتسِبُ نومتِي كما أحتسِبُ قومتِي. إن معاذا رضي الله عنه كان يحتسب الساعات التي ينامها في حسناته، كما يحتسب الساعات التي يقوم فيها بين يدي الله تعالى. فساعات النوم قد تكون حسنات، وقد تكون سيئات، فالذي ينام على طاعة، قد نوى أن يقوم لصلاة الفجر، هذا نومه عبادة لله تعالى، وأما الذي نام على معصية الله تعالى، أو لم ينو القيام لصلاة الفجر، بل نوى أن يقوم بعد طلوع الشمس ليذهب للعمل فقط، فهذا نومه معصية لله عز وجل عياذا بالله.
2- كيف يكون طعامنا وشرابنا عبادة؟ عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “عجبْتُ للمسلم إذا أصابَه خيرٌ حمِدَ الله وشكرَ، وإذا أصابتْه مصيبةٌ احتسبَ وصبَرَ، المسلمُ يُؤجَرُ في كل شيءٍ حتى في اللقمةَ يرفعُها إلى فِيه” إن المؤمن يؤجر على طعامه الذي يأكله، ﻷنه من حلال، وأكل الحلال فيه أجر، كما أن أكل الحرام فيه إثم، ويذكر اسم الله قبل الأكل، وذكر الله عبادة، ويحمد الله على ما رزقه في نهايته، والحمد لله عبادة، وينوي بأكله أن يتقوى على عبادة الله عز وجل، فمن أكل أو شرب وقد نوى بذلك أن يتقوى على طاعة الله وعبادته، فطعامه وشرابه عبادة.
3- كيف يكون عملنا عبادة؟ في الحديث الصحيح أن رجلا مر على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فرأوا من جلده ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله! لو كان هذا في سبيل الله؟، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: (إن كان خرج يسعى على أولاد صغار فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان”.
لقد اشتهر بين الناس أن العمل عبادة، نعم، لكن بثلاثة شروط: الأول: أن يكون هذا العمل مباحا. الثاني: ألا يشغله عمله عن الغاية التي من أجلها خلق، وهي عبادة الله من الصلاة وسائر الفرائض والواجبات. الثالث: أن ينوِى بعمله أن يكسب مالا حلالا ينفقه على نفسه وأهله وأولاده، أما الذي يعمل في الحرام، أو يشغله عمله عن الصلاة، أو ينوي بعمله أن يكسب المال لينفقه في الحرام فلن يكون عمله عبادة لله.
اللهم اجعل حياتنا كلها عبادة، واجعل عباداتنا خالصة مثمرة، تظهر على أقوالنا وأفعالنا وسلوكنا وأخلاقنا ومعاملاتنا يارب العالمين.

التعليقات مغلقة.