الانتفاضة // أبو علي بلمزيان
كتب السيد عبد الحميد جماهري تدوينة على حائطه الفيسبوكي جاء فيها :
” لعلها المرة الاولى التي يوجه فيها الملك رسالة الى الشعب..
الملك لم يلغ الشعيرة ولا العيد
الملك طلب عدم القيام بها هذه السنة
وهو لم يأمر بعدم القيام بها
ولا وجه تعليمات الى الحكومة مثلا للحرص على عدم اقامتها بل طلبها من الشعب مباشرة…فرق كبييير…
الاضحية في ملعب الشعب..
والشعب كان ينتظر رسالة وصلت في وقتها!”
والحال أنه لا يحتاج الأمر إلى عبقرية لغوية أو منطق ملتوٍ حتى نكشف عن تهافت خطاب السيد عبد الحميد جماهري ومحاولته اليائسة في إضفاء طابع “اللعب على الكلمات” لتبرير ما لا يبرر، وكأن الحقيقة تخضع للتلاعب اللفظي بدل أن تكون تعبيرا عن الواقع المادي الفعلي. فحين يقول إن “الملك لم يلغِ الشعيرة ولا العيد، بل طلب عدم القيام بها”، فإنه يحاول الالتفاف حول الحقيقة الساطعة، وكأنّ هناك فرقاً جوهرياً بين الإلغاء والطلب الرسمي بعدم التنفيذ. هل كان الملك بحاجة إلى أن يصدر مرسوماً رسمياً حتى نفهم أن الأمر يتجاوز مجرد “طلب”؟ أم أن خطاب السلطة يحمل في جوهره قوة الإلزام حتى حين يصاغ بعبارات تبدو ناعمة؟ هذه مناورة مكشوفة لمن اعتادوا على التبرير والتأويل لصالح النظام، حتى وهم يدّعون التحليل السياسي العميق.
الملك لم يلغِ العيد، لكنه طلب عدم القيام به، ولا يبدو أن هناك أي اختلاف موضوعي بين العبارتين إلا في محاولة تضليلية لتخفيف وقْع القرار على المخيال الشعبي. فبأي معنى يُعتبر الإلغاء غير حاصل إذا كان المضمون واحداً؟ هل يتوقع منا جماهري أن نؤمن بأن الناس سيحتفلون بالعيد كالمعتاد لمجرد أن النص الرسمي لم يستخدم كلمة “إلغاء” بشكل صريح؟ هذه الحيلة اللغوية لا تنطلي إلا على من يريدون تبرير القرارات السلطوية بإضفاء طابع وهمي من المرونة، في حين أن جوهر القرار واضح: الدولة، من خلال رأسها، قررت أن لا يكون هناك عيد أضحى، بغض النظر عن الصياغة التي تم تبنيها.
أما عندما يقول إن “الأضحية في ملعب الشعب”، فإنه يبلغ ذروة التلاعب والالتفاف. فهل حقاً بات للشعب خيار في مثل هذه القرارات؟ هل النظام الذي يفرض هيمنته المطلقة على كل تفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية سيترك هذا القرار للشعب ليختار بحرية؟ منذ متى تُتخذ القرارات السياسية الكبرى بناءً على “رغبة الشعب” في نظام كهذا؟ هذه محاولة مفضوحة للتنصل من حقيقة أن القرار كان سيادياً بامتياز، وليس مجرد “اقتراح” وديّ يترك للشعب حرية القبول أو الرفض.
الملك لم يوجه تعليمات إلى الحكومة؟ طبعاً، لأن القرار اتُّخذ بطريقة تتجاوز الحكومة نفسها، التي ليست سوى أداة تنفيذية بلا سلطة فعلية. وحين يوجه الملك خطاباً مباشراً إلى الشعب، فهذا يعني أن القرار صادر من أعلى هرم السلطة دون الحاجة إلى المرور عبر قنوات شكلية لا تمتلك سلطة الفعل أو القرار. إن محاولة جعل هذا التفصيل لعبة لغوية توحي بأن القرار لم يكن إلزامياً هي مجرد محاولة بائسة لخداع الوعي العام، وإيهام الناس بأن الأمر لا يعدو كونه اقتراحاً عادياً يمكن رفضه أو تجاوزه.
أما قوله بأن “الشعب كان ينتظر رسالة وصلت في وقتها”، فهو أكثر الجمل تكريساً للاستلاب والتسليم بالأمر الواقع. أي شعب هذا الذي كان ينتظر؟ وكيف تم قياس هذا الانتظار؟ هل استُشير الشعب في أي لحظة من اللحظات؟ أم أن الأمر يتعلق بمجرد تهيئة الرأي العام لتقبّل القرار على أنه “استجابة” لرغبة غير معلنة، في حين أنه كان مفروضاً من فوق؟ هذه التقنية في الخطاب ليست جديدة، بل هي جزء من منهجية تطويع الوعي الجماعي عبر إيهامه بأنه كان طرفاً في صناعة القرار، بينما في الحقيقة لم يكن سوى متلقٍ له، بلا حول ولا قوة.
إن هذا النوع من التبرير الذي يتقنه جماهري وأمثاله ليس سوى امتداد لخطاب يحاول دائماً أن يُلبس القرارات السلطوية لبوس الحكمة والذكاء والتكتيك السياسي، بينما في الحقيقة لا يتجاوز الأمر كونه فرضاً لقرار أحادي، أُحيط بلغة تبدو أقل صدامية، لكنها لا تغيّر من جوهر المسألة شيئاً. إن واقعنا السياسي لا يحتاج إلى “تحليل” يتذاكى في التمييز بين “الإلغاء” و”الطلب بعدم التنفيذ”، بل يحتاج إلى تسمية الأشياء بأسمائها: العيد قد أُلغي بقرار سياسي، والشعب لم يكن طرفاً في صنع هذا القرار، وكل تبرير لغوي لهذا الواقع ليس سوى تزويق فجّ للحقيقة.
التعليقات مغلقة.