الانتفاضة // فاطمة حسن
قررتُ أن أكون مواطنًا صالحًا وأزور المستشفى الحكومي لعلاج أسناني، متجاهلًا كل النصائح التي تحذرني من هذا الفعل المتهور، وكأنني سأدخل إلى مثلث برمودا الصحي، حيث يختفي المرضى أو يعودون بحالات أسوأ! كنتُ متفائلًا، متيقنًا أنني سأدخل المستشفى وأخرج منه بسن جديدة وبسمة بيضاء… آه، كم كنتُ ساذجة!
دخلتُ المستشفى، فتوقعت أن أرى مشهدًا مألوفًا من الأفلام: أطباء يهرولون لإنقاذ المرضى، ممرضات يبتسمن في وجه الجميع، وأصوات أجهزة تعمل بلا توقف. لكن المفاجأة كانت أنني دخلت إلى متحف مهجور، حيث الصمت سيد المكان، والأجهزة الطبية تبدو كأنها تحفٌ أثرية من العصر الحجري، وإذا ركّزتَ جيدًا، قد تسمع صوت الرياح وهي تصفر في الممرات!
وأخيرًا، بعد رحلة بحث مضنية كأنني في مغامرة للبحث عن الكنز، وجدت طبيبة الأسنان، فسألتها عن الجهاز الذي قيل لي الأسبوع الماضي أنه سيتم إصلاحه قريبًا. نظرت إليّ بدهشة، ثم ابتسمت ابتسامة عالمٍ يواجه كائنًا فضائيًا، وقالت بكل برود:
“الجهاز؟! هذا الجهاز لم يعمل منذ سنوات… ولا أعتقد أنه سيعمل يومًا ما!”
في هذه اللحظة، بدأتُ أشك في كل شيء… هل كنتُ في حلم؟ هل أخبرني الطبيب السابق بأن الجهاز سيعمل كجزء من خطة سرية لإبقاء الأمل في قلوب المرضى؟ هل نحن فعلًا في القرن الحادي والعشرين؟ لم أعد أعرف، لكنني كنتُ متأكدًا من شيء واحد… أسناني ستظل على حالها، ومعها حالتي النفسية أيضًا!
لكن بما أنني شخص يحب الاستكشاف، قررتُ تجربة مستشفى آخر. دخلتُ المكان وكأنني دخلت محطة قطارات في ساعة الذروة! المرضى متكدسون في كل زاوية، بعضهم يبدو وكأنه نسي لماذا جاء، والبعض الآخر بدأ في تكوين صداقات جديدة لأن انتظار الطبيب قد يستغرق وقتًا يكفي لحضور دورة تدريبية في الصبر.
وأخيرًا، جاء دوري، فجلستُ أمام الطبيب، الذي لم ينظر إليّ، ولم يبتسم، ولم يتحرك، فقط رفع رأسه وقال بجفاء: “نعم؟”
قلتُ له: “أسناني تؤلمني.”
فردّ بسرعة وكأنه روبوت مُبرمج على الردود السريعة: “خذ مسكن.”
حاولتُ أن أشرح له المشكلة بمزيد من التفاصيل، فرفع حاجبه وقال بنفس البرود: “بعدك هنا؟”
خرجتُ من العيادة وأنا أتساءل… هل الطبيب يعاني أكثر مني؟ هل كان ضحية لحادث مأساوي جعله يفقد القدرة على التواصل البشري؟ أم أنه ببساطة يكره كل شيء حي؟
لكنني لم أستسلم، وقررتُ أن أزور نفس الطبيب في عيادته الخاصة، وهنا… كانت المعجزة! نفس الطبيب العابس الذي كان يطرد المرضى كما لو كانوا نملًا مزعجًا، استقبلني كأنني ابن عمه العائد من السفر. ضحك، تحدث معي بود، سألني عن حياتي وأحلامي، بل كاد يعانقني! نظرتُ حولي لأتأكد أنني لم أدخل مطعمًا فاخرًا بدلًا من العيادة، لكن لا… إنها نفس العيادة، ونفس الطبيب، والفرق الوحيد؟ أنني هذه المرة جئتُ ومعي ثمن “احترامه!”
لكن المأساة لم تنتهِ هنا، فحتى لو افترضنا أن الأطباء أصبحوا ودودين، فماذا عن الأدوية؟ ذهبتُ للصيدلية داخل المستشفى الحكومي وطلبتُ دواءً للأسنان، فابتسم لي الصيدلي وقال وكأنني طلبتُ منه تذكرة سفر إلى المريخ: “موجود بس غير متوفر!”
سألته عن دواء بديل، فردّ وهو يضحك: “نصيحة، لا تبحث عن أدوية هنا، روح للصيدلية الخاصة، هناك الأدوية تتكاثر بطريقة سحرية!”
حاولتُ أن أجد أي جهاز يعمل في المستشفى، لكن الأمر كان أشبه بمحاولة العثور على كائن أسطوري. أجهزة الأشعة؟ “معطلة”، جهاز تخطيط القلب؟ “في إجازة”، حتى ميزان الحرارة يبدو أنه قرر التقاعد.
شعرتُ أنني إذا طلبتُ تحليل دم، سيطلبون مني إحضار معداتي الخاصة، وربما تشغيل الجهاز بنفسي!
في النهاية، خرجتُ من المستشفى الحكومي بنفس الألم الذي دخلتُ به، ولكن مع إضافة أعراض جانبية: الإحباط، الغضب، والرغبة في البكاء. وقفتُ للحظة وتأملتُ الوضع… لو لم أكن مريضًا عندما دخلت، بالتأكيد سأصبح مريضًا بعد هذه التجربة!
التعليقات مغلقة.