التجربة العرفانية والبنية المعرفية

الانتفاضة/ أكرام

تقديم العرفان على الحكمة والكلام، منها أنّ أي تقرير علمي أو اتجاه عملي يناله أصحاب العلم الحصولي كالحكيم والمتكلم يتناول بالذات الموجود الذهني والمفهوم الظلّي، وبالعرض الموجود العيني والمصداق الأصيل، ذلك أنّ جميع جهود الروح وتفاعلاتها تقوم على أساس وعيها وإدراكها، وأن النفس الإنسانية تؤمن بالشيء وتتعلّق به وتكافح من أجله حينما يكون معلوماً حقيقياً وبالذات، أمّا إذا كان معلوماً بالعرض فليس له نصيب مما ذكرنا.

وعليه، فإنّ إيمان الحكيم والمتكلّم ينصرف إلى المعلوم بالذات ـ أي المفهوم الذهني بالذات ـ والموجود الأصيل الخارجي بالعرض، وبالنتيجة فهما يؤمنان بالغيب لا أكثر؛ غير أنّ إيمان العارف ينصرف إلى الموجود الأصيل الخارجي بالذات، وهو من سنخ الإيمان بالشهادة، إذ يعدّ أكمل من الإيمان بالغيب وليس من صنفه، وما جاء في وصف المؤمنين والمفلحين من أنهم {يؤمنون بالغيب } هو في الحقيقة بيان المرتبة الأدنى للإيمان، وإلاّ فإنّ المرتبة الأعلى والأجلّ هي درجة الإيمان بالشهادة.

مجمل القول هو أنَّ حياة الحكيم والمتكلم تتحرك في مدار الصورة الذهنية وحول محور المفهوم بمعناه الأعم، وكلما استأنس الحكيم أو المتكلم مع الصورة الذهنية والمفهوم الحاصل منها، ابتعد عن الموجود الأصيل العيني والمصداق الخارجي، مثله مثل الطفل الذي ينظر في المرآة إلى صورة الشجرة المثمرة ويتعلّق بها ويشتدّ حبّه لها، فكلما ازداد ارتباطه بها ابتعد عن الشجرة الحقيقية وثمرتها الواقعية.

من هنا يتّضح أحد معاني كون العلم (الحصولي) يمثّل حجاباً كبيراً أو حجاباً أكبر، رغم ما قيل من معاني أخرى لهذه المقولة الرائعة.

فالحياة الحكيمة، القائمة على أساس الفكر البرهاني والمستندة إلى الدليل العقلي المتقن، تفوق سائر أقسام الحياة التي لا نصيب لها إلاّ الحس والخيال والوهم.

ولدى دراستنا للعلوم الاستدلالية، نجد أن بعضهم رأى أن العلوم الرياضيَّة تأتي في القمة، إلاّ أن الدراسة العلمية ـ المعرفية تؤكد أنّ اليقين البرهاني ليس وفيراً في العلوم التجريبية بل نادر، وأنّ الدور الفعّال للعلوم الحسية والتجريبية يتجلى في أنها تقود إلى الطمأنينة والظن لا إلى الجزم العلمي.

أمّا العلوم الرياضية، فرغم وفرة مسائلها الجزمية واليقينية، فإنَّها تحتاج إلى الحكمة الإلهية في مبادئها الأساسية كعلمي الوجود والمعرفة وأمثالهما، كما أنّها محدودة في إطار نفوذها، فهي لا تنفع مثلاً مع الموجود العيني والخارجي المنزَّه عن كل كمية ومقدار. وإذا تمّت الاستعانة أحياناً بالمعادلات الرياضية لحل بعض علوم ما وراء الطبيعة والاستفادة منها لتحرير المسائل التجريدية البحتة وتحليلها، فإنّما يجري ذلك بعد ترقيق الموضوع المنـزه عن الكمية والمقدار، وبعد تشبيه المعقول بالمحسوس، وإلاّ فإنّ الموجود المجرد الذي لا يحدّه زمان ومكان وطول وعرض وعمق، لا يمكن أن يُقاس بالحساب والهندسة، إنّما يعالج فقط بالبرهان العقلي الخالص.

وهنا تتّضح سلطة الفلسفة الإلهية وموقعها المتميز إزاء سائر العلوم الاستدلالية، نحو العلوم الطبيعية والرياضية والمنطقية والأخلاقية.

التعليقات مغلقة.