الانتفاضة // صوفية الصافي
عاشق للمغرب و جماله، محب لثقافته و مثقفيه، القادم من بلاد الرافدين، الشاعر، الناقد و الراقص على نغمات مسرحيات عالمية نعمة يوسف السوداني، حياته عبارة عن حلم و قصة اقرب إلى الخيال، حكم عليه بالإعدام، وظل سنوات طوال بالسجن يقاوم الظروف القاسية للعيش، و كان له ما تمنى، فعزيمته و إرادته جعلت منه اليوم، الرجل القوي، المحب للحياة و المتشبت بكل ميادينها، فريق الانتفاضة كان له شرف استضافة الشاعر بالجريدة، واليكم ما جاء بحوارنا معه.
أستاذ نعمة انه لشرف كبير لنا ان تكون بيننا بمغربنا الحبيب، الابن البغدادي، الجنوبي، بدأت بالكتابة و أنت بسن صغير، و لعلك تشبعت بمهارات الوالد رحمه الله و أخوك حفظه الله، فما قصة لقب: “نعمة الشاعر” و الذي لقبت به حتى قبل تميزك بالمجال؟
شكرا جزيلا لكم و احيي عن طريقكم كل المغاربة، الذين أحبهم حبا لا مثيل له، صراحة كنت مدعوما من طرف أسرتي خصوصا من إخوتي الكبار، حتى إنهم كما ذكرت سيدتي إنهم لقبوني “بنعمة الشاعر”، فكان لديهم أذن صاغية لكل ما اكتب، حيث كنت اكتب الشعر الشعبي أي الزجل، و للأسف ما كنت اجمع ما اكتبه في كتاب، اكتب و ارمي، اكتب و ارميـ كنت مراهق سياسية، مراهق تجارب، هكذا كانت تجربتي بالحياة، و مازلت أحس أنني مراهق.
بعد كل تجاربكم بالحياة، ا يمثل اليوم نعمة يوسف السوداني المقولة القديمة: ” أعذب الشعر أكذبه”؟
اجل، فالشعر كذب، و هو لعب على اللغة، و لكن مشاعره صادقة، فمثلا لما نقول: انك مثل القمر”، و هذا أكيد لا يمكن، و لكن بالمثل الشعبي لدينا القمر جميل، و يضرب به المثل، و أكيد يختلف مفهوم الجمال لدى الإنسان ككل، فذات مرة كنت بهولندا رفقة العديد من الأصدقاء و كان بيننا بنت جميلة صديقة صديقي، فقلت له ان صديقتك تشبه القمر، و تساءلت عن ما قلت، و لما ترجم لها ما قلت، اعترضت، فقالت: أنا لا اقبل ان أتشبه بالقمر، لأنه مثال للتجاعيد.
دخولك لعالم السياسية بسن صغير جعلك تعيش طفولة مغايرة لأبناء جيلك، حيث سجنت لما يقارب ست سنوات، و كنت تموت باليوم مائة مرة، فما الشيء الذي جعلك تتشبث بالحياة آنذاك؟
دخولي للمعترك السياسي كانت نتيجته ان ادخل السجن و حكم علي بالإعدام شنقا حتى الموت، و نفذ القرار بحق بعض أفراد عائلتي، فيما خرج النصف الآخر بقرار من الأمم المتحدة، و بالتالي تجربتي هذه عشت بها ثلاث مراحل: المرحلة الأولى شهدت السجن سنتين تحت الأرض بدون شمس، بعدها ثمانية أشهر بزنزانة الموت، و ما تبقى من العقوبة كان بسجن ابى غريب.
أكيد ان هذه التجربة و التي ساهمت في صناعة اسم المثقف نعمة يوسف السوداني اليوم، تركت بنفسيتك أثرا كبيرا، كيف تترجم اليوم هذه التجربة؟
هي تجربة جد جد صعبة، لك ان تتخييلي انك كيف انك تنتظرين الموت بكل لحظة، كما أنني لازلت لا أتحمل يومي الأربعاء و الأحد خصوصا إذا كنت بمفردي، بعكس ما إذا كنت مع الجماعة أو ضمن حركة أدبية أو فنية، مما جعلني أفكر بالكتابة، حيث كان أول عمل شعري لي كان: “أبجديات النهر”، ثم المجموعة الثانية ” هي الماء” كما كتبت أربع مجاميع شعرية بمراكش على مدى سبع سنوات، منذ ألفين و عشرة، لحدود ألفين و سبعة عشر.
بعد تجربة السجن، انفتحت على تجربة أخرى و هي العيش بهولندا، و رسمت مخطط حياتك من جديد، و لكن هل نعمة يعاني الحنين؟ لأنك ملازم لجملة: ” أنا مازلت أعيش مع أبجديات الغربية في حياتي”.
الحنين هو جزء لا يتجزأ من الذاكرة التي احملها، الحنين هو تاريخي، الحنين هو العراق، الحنين هو أمي، الحنين هو المدارس، الحنين هو حياتي، كنت أتمنى ان تنطفئ تلك الذاكرة، و لكن على العكس كلما زاد الزمن زاد تشبتي و تذكري بالأماكن و الأحداث و هي هبة من الله و يجب ان نحافظ عليها.
يكتب يوسف دائما عن حكايات تمثل الواقع المعيش، و حديثي عن “أبجديات النهر”و التي أخذت بها الجائزة الأولى لمهرجان الهجرة للأدب و الفنون بهولندا، و لعل من بين أجمل ما قلت بهذا العمل المتميز: ” صندوق خشبي، نخلته جمجمة، تصافح المرآة، وتتزين بالبياض”. حدثنا عن هذه التجربة.
لما وصلت لهولندا كنت أتلفت أمامي في كل وقت حين، و كأنني في مضمار المخابرات العراقية، كنت خائفا جدا، لحين ما أعطتني هولندا الأمان و السلام، أصبحت اللغة تدغدغني، و بدأت اكتب، و بعثت أول نص لمؤسسة شعرية مرموقة، و اخذ الجائزة الأولى، و رجوعا للنص “الصندوق…. فهي تمثيل للعراق.
كلمة لكل الشعراء المغاربة بصفة خاصة و العالميين بصفة عامة.
مرحى للغة كل شاعر و شاعرة تصدح بها حنجرتها و حنجرته، لكل الشواعر و الشعراء تحياتي و مودتي، لكل شفيف و شفيفة، لكل رقيق و رقيقة حمل مشاكل الإنسانية على عاتقه ليصنع السعادة للناس، مرحبا بكل من يحمل اللغة الجميلة، فالشعر هو من يعبر عن مخرجاتنا و ذواتنا، كل عام و نحن شركاء مع القارئ في النص و قراءته، فالشعر يضيء لنا دروبا لا نراها نحن، لا يسعني في هذه اللحظة إلا ان أقدم لكم ازكى العبارات الصادقة المليئة بالحب و الإخلاص.

التعليقات مغلقة.