من مات ولَّى وراح ، ومن حملُه الى القبر ناح وصاح فباح ثم استراح…هكذا هو مشهد المَدفون والدَّافن، الميِّت والحيِّ .
فبعد الفقْد و الممات ، تَحْيى الآهات ، وتترجمها الكلمات…ويصير الموت قوة ًعجيبة، ووسيلة فريدة في تفجير سيلٍ من الاحاسيس ، والآراء والمواقف التي طالما بدت نائمة وهامدة تجاه من فقدناهم، الموت في شُغل دائم ، يصول بلا كَف ٍّ، ويسعى بلا رِجْل ، وفي لحظة خاطفة ، ينتزع منا شخصا قريبا أو بعيدا ،ومباشرة لا يتجرَّأ أحد على إرسال حديث التشَّفي، بل تتفجرُ من عيونه دموع الخوف والخشوع.
الموت وحده يصبح هو القادر على توحيد خطاب المدح والثناء أثناء العَزاء، فلا تسمع عن الفقيد الا كلمات وعبارات من المدح الشديد، بل منهم من يُلبسه حُلَّة الشهيد، وآخر ينعثه بصاحب القول السديد ، أو الأصل التليد…
الموت وحده الذي يجعل الناس يصمتون عن كل تجريح او تلميح ، ولا يذكرون من الفقيد العربيد، سوى حسناته، بعدما كانوا قد أحرقوه حيّا ، بألسنتهم ، ونظراتهم حين كان يتثاقل الخُطى بين أزقة حيِّهم.
الموت هو الوحيد الذي يُلجم الأفواه عن كل تصريح قبيح ، فذاك السَّارق المُفارق ، بعدما كانوا يمقتونه في حياته ، اليوم َأمام قبره ووراء ظهره ، تجدهم يهمهمون بعبارات الحزن والتأسف من جراء فقده…ما سر هذه القوة العحيبة للموت ؟؟!!…إنها قوة ساحرة، تمسح الأحقاد والاضغان من القلوب، إنها قوة نافذة تشْطب المواقف السلبية والخصومات والعيوب…ففي حضرة الموت تخرس كل الإساءات ، وتتوارى كل الاشاعات، وتتزاحم العبارات الجميلات، وتتعالى الدعوات بالمغفرة والرحمات…
الموت هو الساحر الوحيد الذي يخرج يده البيضاء الجميلة، ويمسح الماضي السيّء، ويُبقي كلّ جميل، ثم يرشّ رشّة بهاء ورهبة، لتبدو سيرة ذلك الإنسان كيف ما كان: (سلطانا او بهلوانا او قهرمانا او شرلمان او حتى حديدان )…
بحيث يصبح في لحظات قصيرات أسطورة ًمن أساطير البطولة ، والنخوة ، والفحولة التي ما تكرر لها نظير في أي وقت من سالف الازمان…مع الموت يتبدَّل كل صوت، ومع الفقد يتقوقَع الحقد، ويعلو صوت التراحم و التسامح، إنها رسالة الموت الى الاحياء، قبل ان يصيروا في عداد الاموات.
التعليقات مغلقة.