من اجل تخليق الحية السياسية واعطاء معنى للمشهد التدبيري والتسييري والتقريري للسلط الثلات التنفيذية والتقريرية والقضائية، عملت المملكة الشريفة على انتهاج مجموعة من المساطر وسلك مجموعة من القواعد تتوخى من ورائها تحقيق جزء من الشفافية ولمصداقية في تدبير شؤون المغاربة الذي يعولون على المسؤولين تنفيذ وتنزيل واجرأة كل ما يخدم مصلحة البلاد والعباد.
وفي هذا الاطار صادق البرلمان بغرفتيه على مجوعة من القوانين والانظمة والمراسيم التي تتعلق بالتصريح بالممتلكات وهذه اهم بنوده:
عرف تاريخ 15 فبراير من سنة 2010 دخول منظومة التصريح الإجباري بالممتلكات حيز التنفيذ. ولقد تم نشر مجموعة النصوص القانونية ذات الصلة بالجريدة الرسمية بنسختها العربية بتاريخ 03 نوفمبر 2008 تحت عدد 5679، وبالنسخة الفرنسية بتاريخ 06 نوفمبر 2008 عدد 5680.
إن الغاية من هذه المنظومة القانونية هو تخليق الحياة العامـة وتكريس مبادئ المحاسبة والشفافية وحماية الأموال العمومية وبهذا فإن إلزامية التصريح بالممتلكات تعكس إرادة المملكة المغربية إرساء وتوطيد قيم الاستقامة والنزاهة والمثالية، وذلك على غرار ما هو سائد في الدول الديمقراطية المتقدمة.
و لضمان فعالية واستقلالية مراقبة التصاريح الإجبارية بالممتلكات، اناط المشرع المغربي بالمجلس الأعلى للحسابات مهمة تلقي وتتبع ومراقبة التصاريح الإجبارية بالممتلكات. وقد كرس دستور 2011 هذا التوجه لا سيما الفصلين 147 و 158 الذين ينصان على التوالي :
- الفصل 147 : “…تُناط بالمجلس الأعلى للحسابات مهمة مراقبة وتتبع التصريح بالممتلكات… “
- الفصل 158 : “يجب على كل شخص منتخبا كان أو معينا، يمارس مسؤولية عمومية، أن يقدم، طبقا للكيفيات المحددة في القانون، تصريحا كتابيا بالممتلكات والأصول التي في حيازته، بصفة مباشرة أو غير مباشرة، بمجرد تسلمه لمهامه، خلال ممارستها، وعند انتهائها.
ولتنزيل هذه المبادئ على أرض الواقع حتى تشمل جميع المسؤولين العموميين سواء كانوا معينين أو منتخبين، تم إصدار مجموعة من النصوص التشريعية والتنظيمية.
وفي هذا الصدد صدر الظهير الشريف رقم 1.08.72 المتمم للظهير الشريف رقم 1.74.331 بشأن حالة أعضاء الحكومة وتأليف دواوينهم، وكذا الظهير الشريف رقم 1.08.73 المتمم للظهير الشريف رقم 1.02.212 القاضي بإحداث الهيئة العليا للاتصالالسمعي البصري. إضافة إلى ذلك وقع تتميم ثلاثة قوانين تنظيمية تهم المجلس الدستوري ومجلس النواب و مجلس المستشارين.
وفي نفس السياق تم تعديل ثلاثة قوانين أخرى تهم النظام الأساسي للقضاة ومدونة المحاكم المالية ومجموعة القانون الجنائي كما تم إحداث قانون جديد رقم 06-54 متعلق بالتصريح الإجباري بالممتلكات لبعض منتخبي المجالس المحلية والغرف المهنية وبعض فئات الموظفين أو الأعوان العموميين.
فضلا عن ذلك ، همت القوانين المذكورة الجوانب المسطرية والإجرائية كمضمون التصريح وعناصره والفئات الخاضعة له والهيئات المكلفة بتلقي التصريحات ومسطرة تتبعها ومراقبتها. كما تم التنصيص على الجزاءات التي تترتب عن الإخلال بإلزامية التصريح وكذا السلطات التي تتخذها.
وتتوزع الفئات الملزمة بالتصريح كما جاء في النصوص المنظمة للتصريح الإجباري بالممتلكات كالتالي :
- الملزمون المزاولون لوظائف حكومية والشخصيات المماثلة، وهم : رئيس الحكومة، الوزراء، الوزراء المنتدبون و كتاب الدولة عند الاقتضاء، الشخصيات المماثلة لأعضاء الحكومة من حيث الوضعية الإدارية ورؤساء دواوين أعضاء الحكومة.
- أعضاء المحكمة الدستورية.
- نواب ومستشاري البرلمان.
- قضاة محاكم المملكة.
- قضاة المحاكم المالية.
- أعضاء الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري.
- بعض منتخبي المجالس المحلية والغرف المهنية.
- بعض فئات الموظفين والأعوان العموميين.
وإجمالا يمكن تقسيم التصريحات الإجبارية للممتلكات التي جاء بها القانون إلى أربعة أنواع :
- التصريح الأولي عند التعيين أو الانتخاب في إحدى المناصب المستوجبة لإلزامية التصريح.
- التصريح التكميلي عندما تطرأ تغييرات علي وضعية ممتلكات بعض الملزمين (قضاة محاكم المملكة، قضاة المحاكم المالية، بعض المنتخبين و بعض الموظفين والأعوان العموميين).
- تجديد التصريح الذي يتم في شهر فبراير كل سنتين أو 3 سنوات حسب الحالة.
- التصريح الذي يلي انتهاء المهام أو الانتداب لأي سبب باستثناء الوفاة.
إن عدم احترام إلزامية إيداع التصريح الإجباري بالممتلكات، وكذا الآجال المحددة وما نص عليه الإطار القانوني المنظم للتصريح الإجباري للممتلكات، يعرض الملزم المخل إلى العقوبات المنصوص عليها في القوانين الجاري به العمل.
وفي نفس السياق أفاد المجلس الأعلى للحسابات، في تقريره السنوي حول أعماله خلال سنة 2022 وإلى متم أكتوبر 2023، أن عضوين بالحكومة و5 رؤساء دواوين وزارية لم يُقدموا تصريحاتهم بالممتلكات، طبقا لمقتضيات القانون 54.06 المتعلق بإحداث التصريح الإجباري بالممتلكات.
وأوضح التقرير أن هذه المخالفات همت عضوين من الحكومة، أحدهما رئيس مؤسسة دستورية، والآخر رئيس لجنة وطنية تابعة لرئاسة الحكومة. كما همت 5 رؤساء دواوين أعضاء الحكومة، من أصل 14 ديوانا.
وفيما يتعلق بأعضاء الحكومة، فقد سبق للمجلس أن أشار في تقريره السنوي 2021 أن جميع أعضاء الحكومة قاموا بالتصريح بممتلكاتهم، بالإضافة إلى سبع شخصيات مماثلة لهم من حيث الوضعية الإدارية.
أما بالنسبة لرؤساء دواوين أعضاء الحكومة، فقد قام تسعة منهم بالإدلاء بالتصريح الأول بالممتلكات، وبالرغم من إخبار المجلس للأمانة العامة للحكومة بوضعية تصريح رؤساء الدواوين بتاريخ 12 أبريل 2022، تخلف خمسة منهم عن التصريح.
وخلص التقرير إلى أن هذه المخالفات تشكل خرقا لمقتضيات الفقرة الثانية من المادة الخامسة من القانون 54.06 المتعلق بإحداث التصريح الإجباري بالممتلكات لبعض منتخبي المجالس المحلية والغرف المهنية وبعض فئات الموظفين أو الأعوان العموميين بممتلكاتهم.
وأضاف التقرير أن إجراءات تبليغ الإنذارات المتخذة من طرف المحاكم المالية مكنت من تسوية وضعية 80% من الملزمين المخلين بواجب التصريح، والبالغ عددهم 4.563 ملزما من فئة الموظفين والأعوان العموميين، و3.711 ملزما من فئة منتخبي المجالس المحلية والغرف المهنية.
وكان لتفعيل بروتوكول التعاون ما بين المجلس والمديرية العامة للأمن الوطني دور مهم في إنجاح إجراءات التبليغ، من خلال توفير بيانات محينة وأكثر موثوقية حول عناوين إقامة الملزمين المعنيين بالإنذارات.
كما تجدر الإشارة إلى أن 35 موظفا مخلا بواجب التصريح، لم يسووا وضعيتهم بعد، على الرغم من إخبار السلطات الحكومية المعنية بالأمر وانصرام الآجال القانونية لتسوية وضعيتهم بعد توصلهم بالإنذارات.
وأخذا بعين الاعتبار خطورة العقوبة التأديبية المترتبة عن الإخلال بواجب التصريح بالممتلكات والمتمثلة في العزل من الوظيفة أو فسخ العقدة، قام المجلس، ضمن مسعى إضافي أخير، بمراسلة السلطات الحكومية المعنية قصد حث الملزمين المخلين التابعين لها على تسوية وضعيتهم.
يبدو اذا مما سبق ان المشهد المغربي لا يريد القطع مع سياسة الهروب الى الامام والرضوخ للمقتضيات القانونية التي تلزم المدبر والمسير للشان العام ان يلتزم بكل ما يمكنه ان يقدم المغرب خطوات الى الامام ويقطع مع عهد السيبة والافلات من العقاب ومراكمة الثروة على حساب دافعي الضرائب.
التعليقات مغلقة.