من 200 منصب احتياطي إلى سياسة عمومية قارة: ضرورة تقنين توظيف الأشخاص في وضعية إعاقة وتفعيل نسبة 7%

0

الانتفاضة/ الحسين أُعيش (رئيس الجمعية الوطنية للمكفوفين بالمغرب)

من 200 منصب احتياطي إلى سياسة عمومية قارة: ضرورة تقنين توظيف الأشخاص في وضعية إعاقة وتفعيل نسبة 7%
‏بقلم الحسين أُعيش رئيس الجمعية الوطنية للمكفوفين بالمغرب
إن النقاش الدائر حول المناصب المالية المخصصة للأشخاص في وضعية إعاقة برسم سنة 2027 لا يمكن اختزاله في مقارنة حسابية بين 200 منصب و34.454 منصبًا ماليًا محدثًا. فخلف هذا الرقم قصة اجتماعية وحقوقية تعود إلى سنوات من الاحتجاج والمطالبة بالحق في الشغل، وتطرح اليوم سؤالًا مؤسساتيًا يتجاوز مجرد تحديد عدد المناصب: لماذا لم تتحول هذه المبادرة الحكومية، منذ انطلاقها، إلى آلية قانونية قارة ومندمجة في سياسة التشغيل العمومي؟

من الاحتجاج الاجتماعي إلى المبادرة الحكومية

تعود خلفية تخصيص المناصب لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة إلى سنة 2018 حين خاض مكفوفون معطلون اعتصامًا فوق سطح وزارة الأسرة والتضامن، احتجاجًا على أوضاعهم الاجتماعية والمهنية، ومطالبة بحقهم في الولوج إلى الوظيفة العمومية.

وقد شهد ذلك الاعتصام حادثًا مأساويًا تمثل في سقوط أحد المعتصمين من سطح الوزارة إلى الطابق السفلي، ما أدى إلى وفاته، في واقعة استدعت تدخل برلمانيين وأعضاء من الحكومة، ودفعت إلى البحث عن مخرج عملي لأزمة تشغيل المكفوفين المعطلين.

وفي أعقاب تلك الأحداث، برزت مبادرة لتنظيم مباريات لفائدة المعطلين المكفوفين، قبل أن يتوسع نطاق الاستفادة ليشمل أشخاصًا معطلين آخرين في وضعية إعاقة، إلى جانب موظفين من هذه الفئة يسعون إلى تغيير الإطار المهني.

وبحسب المعطيات التاريخية المتداولة بشأن هذه المبادرة، انطلقت المناصب المخصصة في حدود 50 منصبًا، ثم ارتفعت إلى 100 منصب، قبل أن تستقر، منذ سنوات، عند 200 منصب.

وهكذا، انتقلت المبادرة من استجابة حكومية لمطلب اجتماعي ملح إلى إجراء متكرر في مجال التشغيل. غير أن استمرار تخصيص العدد نفسه، رغم تغير أعداد المناصب المالية المحدثة وتطور الالتزامات الحقوقية، يطرح ضرورة مراجعة أساس هذه الآلية ومكانتها داخل السياسة العمومية.

المبادرة الاجتماعية لا ينبغي أن تظل تدبيرًا استثنائيًا

إن القيمة الأساسية لهذه المبادرة تكمن في أنها فتحت منفذًا للتوظيف أمام فئات ظلت تواجه صعوبات كبيرة في الولوج إلى الوظيفة العمومية. غير أن الإشكال يبدأ عندما يستمر هذا الإجراء لسنوات دون أن يتحول إلى نظام مؤسساتي واضح، يحدد أساسه القانوني، ومصادر مناصبه المالية، وشروط الاستفادة منه، وآليات تتبعه وتقييمه.

فإذا ظلت المناصب المخصصة للأشخاص في وضعية إعاقة تُقتطع من الرصيد الاحتياطي الذي تتصرف فيه رئاسة الحكومة، فإن ذلك يطرح سؤالًا حول مدى إدماج تشغيل هذه الفئة في التخطيط العادي للموارد البشرية داخل القطاعات الحكومية.
كنا نأمل أن يحمل مشروع قانون المالية لسنة 2027 اجتهادًا سياسيًا جديدًا في معالجة ملف توظيف الأشخاص في وضعية إعاقة، وأن يشكل فرصة لإعادة النظر في الفقرة المتعلقة بالمناصب المخصصة لهذه الفئة، بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج الصيغة التي اعتمدتها الحكومات السابقة، والمتمثلة في تخصيص عدد محدود من المناصب ظل يتكرر لسنوات، دون مراجعة جوهرية تتناسب مع تطور الحاجيات وتزايد أعداد الخريجين المعطلين.

إن الحكومات لا تُقاس فقط بما ترثه من قوانين وتدابير وإجراءات، بل كذلك بقدرتها على مراجعتها وتطويرها عندما تكشف التجربة محدوديتها، وعندما تفرض التحولات الاجتماعية والحقوقية اعتماد مقاربات أكثر إنصافًا وفعالية. فالموروث التشريعي والإداري ليس قدرًا ثابتًا، بل مسؤولية سياسية تستوجب التقييم والتصحيح والتطوير.

ومن هذا المنطلق، كان بإمكان الحكومة الجديدة أن تجعل من مراجعة مقتضيات المادة 21 المتعلقة بتوظيف الأشخاص في وضعية إعاقة مناسبة لإبراز اجتهاد سياسي ومؤسساتي يميز مرحلتها عن المراحل السابقة. وكان من الممكن أن تتجه هذه المراجعة إلى تجاوز منطق العدد الثابت، الذي بدأ بخمسين منصبًا، ثم ارتفع إلى مائة، واستقر لاحقًا عند مائتي منصب، نحو إرساء آلية مستدامة تستند إلى قواعد قانونية واضحة، وتأخذ بعين الاعتبار مجموع المناصب المالية المحدثة، وتطور أعداد الخريجين، وحاجيات الأشخاص في وضعية إعاقة إلى الولوج المنصف إلى الوظيفة العمومية.

إن البصمة السياسية الحقيقية لا تتحقق بمجرد المحافظة على إجراء سابق أو إعادة إدراجه في مشروع قانون مالي جديد، وإنما تتحقق عندما تمتلك الحكومة الإرادة لمراجعة هذا الإجراء، وتقييم نتائجه، ومعالجة أوجه قصوره، وتحويله من تدبير استثنائي مرتبط بظروف تاريخية واجتماعية محددة إلى سياسة عمومية مؤسساتية، واضحة الأهداف، ومحددة المسؤوليات، وقابلة للتتبع والمساءلة.

ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد رفع عدد المناصب المخصصة، بل بإعادة بناء فلسفة التدخل العمومي في هذا المجال، حتى لا يظل حق الأشخاص في وضعية إعاقة في الشغل مرتبطًا كل سنة بمبادرة استثنائية أو برصيد من المناصب الاحتياطية، بل يصبح جزءًا من التخطيط العادي للموارد البشرية للدولة، في إطار احترام المقتضيات القانونية المنظمة للحصة المقررة لهم.

إن الحكومة التي تطمح إلى تقديم إضافة سياسية واجتماعية ينبغي أن تجعل من مراجعة السياسات الموروثة فرصة لتصحيح الاختلالات وتوسيع أثر الحقوق، لا مناسبة لتجديد العمل بالآليات نفسها دون تقييم أو تطوير. ومن شأن اعتماد مقاربة جديدة في هذا الملف أن يشكل رسالة واضحة مفادها أن قضايا الأشخاص في وضعية إعاقة ليست ملفات هامشية تُعالج بتدابير محدودة، وإنما جزء من صميم الاختيارات الحكومية المتعلقة بالعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، وتحديث الإدارة العمومية.

ويبقى السؤال المطروح أمام الحكومة: هل ستتعامل مع المادة 21 باعتبارها مقتضى ماليًا يُعاد إدراجه من سنة إلى أخرى، أم ستغتنم مناقشة قانون المالية لإطلاق مراجعة مؤسساتية تجعل من توظيف الأشخاص في وضعية إعاقة سياسة عمومية مستدامة، تستجيب لتطور الحاجيات وتترجم الالتزامات القانونية إلى فرص فعلية؟

إن المقاربة المطلوبة اليوم لا تتمثل في التخلي عن هذه المبادرة أو الانتقاص من أهميتها، بل في الحفاظ على مكتسباتها، وتطويرها، وتقنينها، وإخراجها من منطق التدبير الاستثنائي إلى منطق السياسة العمومية المستدامة.

فالأشخاص في وضعية إعاقة ليسوا فئة ينبغي أن تنتظر كل سنة مبادرة استثنائية أو تسوية ظرفية حتى تتاح لها فرص التوظيف، وإنما مواطنون ومواطنات ينبغي أن تكون حقوقهم المهنية حاضرة في البرمجة المالية والإدارية للدولة.

المادة 21 من مشروع قانون المالية: مناسبة لإعادة النظر في الآلية المعتمدة

وفق المعطيات الواردة في المادة 21 من مشروع قانون المالية لسنة 2027، يبلغ مجموع المناصب المالية المحدثة 34.454 منصبًا، في حين خُصص 200 منصب لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة.

ويكشف هذا التفاوت عن إشكالية تستحق التدقيق القانوني والمالي. فإذا طُبقت نسبة 7% على مجموع المناصب المذكورة، فإن الناتج الحسابي يبلغ حوالي 2.412 منصبًا، مقابل 200 منصب فقط، أي فارق حسابي يصل إلى 2.212 منصبًا.

لكن هذا الحساب، في حد ذاته، لا يكفي لإثبات وجود عجز قانوني بهذا المقدار؛ إذ يتعين أولًا التحقق من النص التنظيمي الذي تستند إليه نسبة 7%، ومن نطاق تطبيقها، ومن طبيعة المناصب التي يشملها الاحتساب.

ومع ذلك، فإن السؤال المؤسساتي يظل قائمًا: لماذا يستمر تخصيص 200 منصب باعتباره إجراءً منفصلًا، بدل اعتماد تخطيط واضح للمناصب المخصصة للأشخاص في وضعية إعاقة ضمن السياسة العامة للتوظيف؟

إن جوهر المطلب هو الانتقال من عدد ثابت لا يتغير بتغير مجموع المناصب المحدثة إلى آلية قانونية واضحة، تراعي نسبة الحصة المقررة قانونًا، وتحدد كيفية توزيعها على القطاعات الحكومية، وتضمن الإعلان عنها وتتبع تنفيذها.

من المناصب الاحتياطية إلى الميزانية العامة: مطلب التقنين والاستدامة

إن إدراج المناصب المخصصة للأشخاص في وضعية إعاقة ضمن السياسة العامة للموارد البشرية والميزانية العامة من شأنه أن يعزز وضوح المسؤوليات، ويجعل القطاعات الحكومية معنية مباشرة بتوفير فرص التوظيف وتنفيذ الالتزامات ذات الصلة.

ولا يعني ذلك بالضرورة إلغاء كل آلية احتياطية قائمة، بل يقتضي التمييز بين المبادرة الاستثنائية التي أُحدثت لمعالجة وضع اجتماعي ملح، والحصة التي ينبغي اعتمادها ضمن القواعد العامة للتوظيف إذا ثبت أن النصوص القانونية والتنظيمية تفرض ذلك.

ومن ثم، فإن المطلوب هو وضع إطار مؤسساتي يحدد بوضوح:

أولًا، الأساس القانوني للمناصب المخصصة للأشخاص في وضعية إعاقة، وعلاقتها بنسبة 7% ونطاق تطبيق هذه النسبة.

ثانيًا، كيفية إدماج الحصة المستحقة قانونًا ضمن التخطيط السنوي للمناصب المالية، وتوزيعها على مختلف القطاعات الحكومية وفق معايير معلنة.

ثالثًا، شروط الاستفادة من المباريات، بما يشمل المعطلين في وضعية إعاقة والموظفين الراغبين في تغيير الإطار، مع مراعاة الأسس القانونية المنظمة لكل فئة.

رابعًا، إحداث آلية للتتبع والتقييم تنشر سنويًا عدد المناصب المعلن عنها، والمناصب المخصصة، والنتائج الفعلية للمباريات والتوظيف.

خامسًا، ضمان الترتيبات التيسيرية المعقولة وإزالة الحواجز التي تحول دون المشاركة المتكافئة في المباريات والعمل داخل الإدارات العمومية.

نداء إلى الحكومة والبرلمان

إن الجمعية الوطنية للمكفوفين بالمغرب تدعو رئيسة الحكومة ووزير الاقتصاد والمالية والقطاعات الحكومية المعنية إلى التعامل مع المادة 21 من مشروع قانون المالية لسنة 2027 باعتبارها فرصة لإعادة تنظيم هذا الملف على أسس قانونية ومالية واضحة.

كما تدعو رؤساء الفرق والمجموعات البرلمانية بمجلسي النواب والمستشارين إلى إثارة هذه القضية خلال مناقشة المشروع، والمطالبة بتوضيح الأساس القانوني لتخصيص 200 منصب، ومدى ارتباط هذا العدد بالمقتضيات المنظمة لحصة الأشخاص في وضعية إعاقة، والعمل على إدراج التعديلات المناسبة وفق النصوص الجاري بها العمل.

إن القضية لا تتعلق بالمطالبة بمناصب إضافية فحسب، بل بمراجعة آلية استمرت سنوات دون أن تتحول إلى نظام متكامل يضمن الاستمرارية والشفافية والإنصاف.

لقد أظهرت التجربة أن معالجة المطالب الاجتماعية من خلال مبادرات ظرفية قد تفتح بابًا للحل، لكنها لا تغني عن بناء سياسة عمومية واضحة. وما كان في مرحلة سابقة استجابة لأزمة اجتماعية، ينبغي أن يصبح اليوم موضوعًا للتقنين والتطوير والتقييم.

إن المطلوب ليس الاكتفاء بتخصيص 200 منصب كل سنة، بل بناء نظام مستدام لتوظيف الأشخاص في وضعية إعاقة، يدمج الحصة القانونية ضمن التخطيط المالي والإداري للدولة، ويضمن أن يصبح الحق في الشغل التزامًا مؤسساتيًا قابلًا للتنفيذ والمساءلة، لا مبادرة استثنائية تتكرر دون أن تتطور.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.