تحقيق «لوديسك» يضع فاطمة الزهراء المنصوري في قلب أسئلة محرجة من جديد.. تضارب المصالح أم أزمة شفافية؟

0

الانتفاضة/متابعة شاكر ولد الحومة

حين تلاحق الأسئلة مسؤولاً حكومياً بشأن مصالحه المهنية، لا يكفي الصمت لتبديد الشكوك، ولا يكفي النفي العام لإغلاق الملف. تحقيق «لوديسك» يفتح جبهة جديدة حول علاقة فاطمة الزهراء المنصوري بمكتب للمحاماة وملفات مجموعة «العمران»، ويعيد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً: هل تخضع المصالح المرتبطة بالمسؤولين الحكوميين للمعايير نفسها التي يُفترض تطبيقها على الجميع؟

لم يعد ما نشرته جريدة «لوديسك» مجرد تفصيل مهني عابر، بل تحول إلى قضية تستحق مساءلة سياسية ومؤسساتية جدية. فالمعطيات التي أوردها التحقيق بشأن استمرار اسم فاطمة الزهراء المنصوري، رغم تسجيلها محامية غير مزاولة، ضمن مكتب للمحاماة مرتبط بملفات قضائية وتجارية، تضع تصريحاتها السابقة على محك الاختبار، وتفرض عليها تقديم توضيحات تتجاوز لغة النفي المقتضب.

وبحسب التحقيق، فإن المكتب الذي ترتبط به المنصوري، إلى جانب المحامي رحال الجديد، ظهر في نحو 60 ملفاً أمام المحاكم التجارية بالدار البيضاء ومراكش خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2025، وهي فترة تزامنت مع توليها حقيبة الإسكان والتعمير. والأكثر إثارة أن المكتب تعامل، وفق ما نشرته الجريدة، مع مجموعة «العمران»، وكان طرفاً في 14 ملفاً من أصل 40 ملفاً للمجموعة.

هنا تحديداً تبدأ الأسئلة الثقيلة: ما طبيعة هذه العلاقة؟ وما حدود ارتباط المسؤولة الحكومية بالمكتب خلال فترة توليها الوزارة؟ وهل جرى الفصل فعلياً بين المصالح المهنية الخاصة والاختصاصات الحكومية، أم أن الأمر يحتاج إلى تدقيق وتوضيح رسميين؟

هذه الأسئلة لا تعني إصدار حكم مسبق بوجود مخالفة، لكنها تكشف أن القضية لم تعد تحتمل الاكتفاء بالتطمينات العامة.

نفي في مواجهة وثائق.. من يملك الرواية الأكثر إقناعاً؟

في مواجهة ما نشرته «لوديسك»، نفت مصادر مقربة من المنصوري استمرار ارتباطها بالمكتب منذ سنة 2021. غير أن الجريدة قالت إنها توصلت إلى معطيات ووثائق تشير إلى أن المكتب تأسس بعد ذلك التاريخ، وأن اسم المنصوري ظل حاضراً في ملفات مرتبطة بمجموعة «العمران»، حتى خلال فترة توليها المسؤولية الوزارية.

هذا التعارض بين النفي والمعطيات المنشورة هو لبّ القضية. فحين تقدم وسيلة إعلامية تحقيقاً يتضمن تفاصيل قابلة للتحقق، لا يعود كافياً الرد برسالة تطمين أو نفي غير مصحوب بوثائق مضادة. المطلوب هو توضيح دقيق لتاريخ العلاقة المهنية، وطبيعتها، وكيفية تدبيرها خلال فترة المسؤولية الحكومية.

وإذا كانت المنصوري تعتبر أن ما نشرته الجريدة غير صحيح أو مضلل، فإن أفضل رد ليس ترك الأسئلة تتراكم، بل نشر ما يكفي من الوثائق والتوضيحات لتفنيد المعطيات المثارة، نقطة بنقطة.

أما استمرار الغموض، فيمنح القضية عمراً أطول، ويضعف قدرة الخطاب السياسي على إقناع الرأي العام بأن الأمر لا يتجاوز سوء فهم أو تأويلاً غير دقيق.

«العمران».. عندما تتقاطع المسؤولية الحكومية والمصالح المهنية

إن وجود مكتب للمحاماة في ملفات مرتبطة بمؤسسة عمومية أو مجموعة تابعة للدولة لا يشكل، في حد ذاته، دليلاً على فساد أو تضارب مصالح. لكن حساسية الموضوع ترتفع عندما يتعلق الأمر بمكتب يُقال إن اسماً لمسؤولة حكومية ظل مرتبطاً به خلال فترة إشرافها على قطاع ذي صلة مباشرة بمجال نشاط المؤسسة المعنية.

هنا يصبح السؤال عن تضارب المصالح مشروعاً وضرورياً، لا سيما أن الثقة في المؤسسات لا تُبنى فقط على غياب المخالفة المثبتة، بل أيضاً على القدرة على تفادي الحالات التي قد تثير شبهة تعارض المصالح أو توحي بوجود امتياز غير متكافئ.

والأخطر في مثل هذه القضايا أن يتحول غياب التوضيح إلى مساحة مفتوحة للتأويلات. فهل كانت العلاقة مهنية شكلية؟ هل استمر الارتباط القانوني دون ممارسة فعلية؟ وهل اتُّخذت التدابير اللازمة لضمان استقلالية القرار العمومي عن أي مصلحة خاصة محتملة؟

هذه ليست أسئلة هامشية، بل صلب ما ينبغي أن يجيب عنه أي مسؤول يتولى تدبير قطاع استراتيجي ويجد نفسه في قلب تحقيق صحفي جدي.

أرض تسلطانت.. خيط عقاري يوسّع دائرة التساؤلات

ولم يقف تحقيق «لوديسك» عند حدود مكتب المحاماة، بل عاد إلى ملف أرض بمنطقة تسلطانت في مراكش، مسلطاً الضوء على دور تدبير ملف تصميم التهيئة والتأخر المرتبط به، وما قد يترتب عن ذلك من انعكاسات على المصالح العقارية المعنية.

كما أشار التحقيق إلى أن مشتري الأرض، بحسب ما نشرته الجريدة، لا يرتبط بالعمل السياسي، لكنه ترشح وكيلاً للائحة حزب الاستقلال في مراكش.

وتكمن أهمية هذه الجزئية في ضرورة كشف المسار الإداري للملف، وتحديد أسباب التأخر في تصميم التهيئة، والجهات التي تأثرت به، وما إذا كانت القرارات المتخذة قد خضعت للمعايير نفسها التي تُطبق على جميع المعنيين.

لكن من الضروري أيضاً عدم القفز إلى استنتاجات غير مثبتة: فشراء الأرض أو الاستعداد لخوض الانتخابات لا يشكلان دليلاً على الاستفادة غير المشروعة. المطلوب هو توثيق الصلات، وفحص القرارات، وتحديد المسؤوليات بناءً على الوقائع لا على التخمين وهذا ما لم تخرج السيدة المنصوري لتوضيحه بالوثائق.

ومع ذلك، فإن اجتماع هذه العناصر في تحقيق واحد يفرض التعامل مع الملف بجدية أكبر، بدل اختزاله في مجرد سجال سياسي أو إعلامي.

من خطاب الإصلاح إلى اختبار الشفافية

تكتسب القضية بعداً سياسياً إضافياً حين توضع في سياق تصريحات المنصوري بشأن تجربتها ومسارها السياسي. فحين يقدم مسؤول عمومي نفسه باعتباره صاحب تجربة طويلة في العمل السياسي، تصبح مساءلته عن مدى احترام قواعد الحكامة وتدبير المصالح أمراً طبيعياً.

لا يتعلق الأمر هنا بمحاكمة النوايا، بل بمقارنة الخطاب بالممارسة، وبمدى استعداد المسؤول لتقديم إجابات واضحة عندما تظهر معطيات تثير تساؤلات حول مصالحه المهنية السابقة أو المتزامنة مع توليه المنصب العام.

فالعمل السياسي ليس حصانة من النقد، وطول التجربة لا يعفي من واجب التوضيح. بل إن المسؤول الذي راكم سنوات من الممارسة يفترض أن يكون أكثر إدراكاً لحساسية تضارب المصالح، وأكثر استعداداً لإزالة أي لبس يمكن أن يمس الثقة في المؤسسات.

الصمت لا يدين.. لكنه لا يجيب أيضاً

وفق المعطيات الواردة في الملف المعروض، لم يصدر عن المنصوري رد علني موثق يفند بالتفصيل ما نشرته «لوديسك». وإذا استمر غياب التوضيح الشامل، فستبقى الأسئلة معلقة، وستظل القضية مفتوحة أمام مزيد من التدقيق الصحفي والمؤسساتي.

صحيح أن عدم الرد لا يُعد دليلاً على صحة الاتهامات، كما أن التحقيق الصحفي لا يعادل حكماً قضائياً. لكن الصحيح أيضاً أن المسؤولية العامة تفرض مستوى أعلى من الشفافية، خصوصاً عندما تتعلق الشبهات المحتملة بعلاقات مهنية وملفات مرتبطة بمؤسسات عمومية.

وإذا كانت المعطيات المنشورة غير دقيقة، فإن تفنيدها بالأدلة هو السبيل الأكثر فاعلية لإنهاء الجدل. أما الاكتفاء بالنفي غير المفصل، أو ترك المجال مفتوحاً للتأويل، فلا يخدم صورة المسؤول ولا يعزز ثقة المواطنين.

أسئلة تنتظر أجوبة لا شعارات

قضية «لوديسك» لا تسمح، في هذه المرحلة، بالجزم بوجود مخالفة قانونية، لكنها تفرض مساءلة واضحة بشأن طبيعة العلاقة بين فاطمة الزهراء المنصوري ومكتب المحاماة، وملفات مجموعة «العمران»، وملف أرض تسلطانت.

والسؤال الذي ينبغي أن يبقى في صدارة النقاش ليس ما إذا كانت القضية ستتحول إلى مادة للتجاذب السياسي، بل ما إذا كانت المعطيات المنشورة ستُقابل بتوضيحات موثقة تضع حداً للغموض.

ففي دولة المؤسسات، لا ينبغي أن يكون المسؤول فوق المساءلة، ولا أن تتحول الشبهات إلى إدانات بلا أدلة. المطلوب هو معيار واحد للجميع: تحقيق جاد، وحق في الرد، وشفافية في عرض الوثائق، ومحاسبة قانونية إذا ثبتت المخالفة.

فالمنصب الحكومي لا يمنح صاحبه امتياز الصمت أمام الأسئلة المشروعة، كما أن النقد الصحفي لا يمنح صاحبه حق إصدار الأحكام قبل اكتمال الأدلة. وبين هذين المبدأين، وحده التوضيح الموثق قادر على كشف الحقيقة واستعادة الثقة وليس فقط مقاضاة الصحافيين امام القضاء بدرهم رمزي لأن المواطن هو من يتساءل هنا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.