«فراقشية بالكرافطة».. من داخل البرلمان المغربي: من يحاسب المسؤولين عن المال العام؟

0

الانتفاضة/ إبراهيم السروت 
شهدت مناقشة البرنامج الحكومي برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري نقاشاً سياسياً ساخناً، بعدما طالب المستشار البرلماني يونس ملال بإحداث لجنة وطنية لتقصي الحقائق بشأن مبلغ 280 مليار درهم المرتبط ببرامج الدعم خلال الولاية الحكومية السابقة، داعياً إلى كشف أوجه صرف هذه الأموال وتحديد المستفيدين منها.
ولم تكن المداخلة مجرد انتقاد عابر، بل أعادت إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً يتعلق بتضارب المصالح، وحدود العلاقة بين المسؤولية السياسية والمصالح التجارية، وحق المواطنين في معرفة كيفية تدبير أموالهم.
هل يجوز الجمع بين السياسة والمصالح التجارية؟
إن ممارسة السياسة مسؤولية عمومية تقتضي النزاهة والشفافية واحترام القانون. أما ممارسة التجارة فهي نشاط اقتصادي مشروع، شريطة احترام القوانين المنظمة له، وعدم استغلال النفوذ أو المنصب لتحقيق امتيازات غير مستحقة.
ومن هنا، فإن القضية ليست في ارتداء المسؤول للكرافطة، ولا في كونه رجل أعمال، وإنما في مدى احترامه للقانون، ووجود تضارب للمصالح من عدمه، وكيفية تدبير الصفقات والدعم العمومي.
فكل مسؤول تثبت استفادته بصورة غير مشروعة من المال العام يجب أن يخضع للمساءلة وفق القانون، دون انتقائية أو استهداف سياسي.
280 مليار درهم.. أين الحقيقة؟
إن المطالبة بتقصي الحقائق بشأن هذا المبلغ تستحق نقاشاً مؤسساتياً جدياً، لأن المال العام ملك للمغاربة، ومن حقهم معرفة البرامج التي صُرفت فيه، والنتائج التي تحققت، والجهات التي استفادت منه.
لكن الوصول إلى الحقيقة يقتضي نشر المعطيات الرسمية، وتحديد طبيعة المبالغ المعنية والفترة الزمنية التي تغطيها، والتمييز بين الدعم الذي صُرف وفق القانون وبين أي اختلالات قد تكشفها عمليات التدقيق.
فمجرد المطالبة بالتحقيق لا تعني أن المبلغ كله اختُلس، كما أن غياب الإدانة المسبقة لا ينبغي أن يمنع الرقابة والمحاسبة.
رسالة إلى رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري
إن التحدي المطروح أمام الحكومة هو تحويل شعار ربط المسؤولية بالمحاسبة إلى ممارسة ملموسة، من خلال دعم أجهزة الرقابة، ونشر نتائج تقييم برامج الدعم، وتوضيح معايير الاستفادة منها، والتفاعل مع مطالب المعارضة والمجتمع المدني.
كما أن تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، إذا استوفت شروطها الدستورية والقانونية، يمكن أن يساهم في توضيح الوقائع وتعزيز الثقة في المؤسسات.
إن المغاربة لا يريدون الاكتفاء بتبادل الاتهامات تحت قبة البرلمان؛ بل يريدون أجوبة موثقة، ونتائج واضحة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، أياً كان موقعه السياسي أو الاقتصادي.
إن قوة البرلمان لا تكمن في العبارات النارية وحدها، وإنما في قدرته على تحويل الأسئلة المحرجة إلى رقابة فعالة ونتائج ملموسة.
فالمال العام ليس ملكاً للحكومة ولا للأحزاب ولا للمسؤولين، بل هو مال المواطنين، وحمايته مسؤولية دستورية وأخلاقية.
والسؤال الذي يبقى مطروحاً اليوم: هل تتحول المطالبة بالتحقيق في مبلغ 280 مليار درهم إلى مسار مؤسساتي يكشف الحقائق ويحدد المسؤوليات، أم ينتهي النقاش بانتهاء الجلسات البرلمانية؟
إن الحقيقة لا تخيف إلا من يخشى كشفها، والمحاسبة العادلة لا تستثني أحداً ولا تدين أحداً دون دليل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.