الانتفاضة/ ابراهيم أكرام
يفتح التحالف السياسي الذي يقوده حزب الأصالة والمعاصرة «البام» بمشاركة عدد من الأحزاب التي جمعتها به خلافات ومواجهات في مراحل سابقة، الباب أمام نقاش يتجاوز حدود تشكيل الأغلبية الحكومية وتوزيع الحقائب الوزارية، ليصل إلى طبيعة الممارسة السياسية بالمغرب، ومدى قدرة الأحزاب على تحويل التوافقات الظرفية إلى مشروع إصلاحي واضح المعالم، يستجيب لانتظارات المواطنين ويعيد الثقة في العمل الحزبي والمؤسساتي.
فالتقارب بين الفرقاء السياسيين ليس، في حد ذاته، مؤشراً سلبياً، بل قد يشكل مدخلاً ضرورياً لتجاوز منطق الصراع العقيم، وتوحيد الجهود حول أولويات وطنية واجتماعية واقتصادية مشتركة. غير أن القيمة الحقيقية لأي تحالف لا تقاس بعدد مكوناته أو بحجم التمثيلية البرلمانية التي يتوفر عليها، وإنما بمدى وضوح برنامجه، وانسجام مواقفه، وقدرته على تقديم أجوبة عملية عن القضايا التي تؤرق المغاربة.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يقود «البام» حلفاءه نحو توافق إصلاحي قائم على رؤية مشتركة، أم أن الأمر يتعلق بتسوية سياسية هدفها تجاوز الخلافات القديمة دون مناقشة أسبابها الحقيقية؟ وهل اختارت الأحزاب المشاركة في هذا المسار بناء شراكة سياسية مؤسسة على الالتزامات والبرامج، أم أن حسابات السلطة جعلت التوافق أقل كلفة من مواصلة المعارضة والتمسك بالمواقف السابقة؟
إن خطورة هذه الأسئلة لا تكمن في التشكيك في شرعية التحالفات، وإنما في ضرورة إخضاعها لمعيار الوضوح والمحاسبة. فالناخب الذي يمنح صوته لحزب معين ينتظر منه الدفاع عن اختيارات معلنة، ولا ينتظر أن تتحول الخلافات التي شكلت جزءاً من خطابه السياسي إلى مجرد تفاصيل قابلة للتجاوز بمجرد اقتراب موعد توزيع المسؤوليات.
كما أن التوافق السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى غطاء لتذويب الفوارق بين البرامج والمرجعيات، أو إلى وسيلة لتقاسم النفوذ والمواقع. فالحكومة القادرة على الإصلاح تحتاج إلى أغلبية متماسكة، لكنها تحتاج أيضا إلى نقاش داخلي حقيقي، وإلى استعداد مكوناتها للاعتراف بالأخطاء وتصحيح الاختلالات، بدل الاكتفاء بتبرير القرارات باسم الانسجام الحكومي.
وتزداد أهمية هذا الاختبار في ظل التحديات المرتبطة بالقدرة الشرائية، وفرص الشغل، وجودة التعليم والصحة، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، فضلاً عن حماية الحريات والحقوق وتعزيز الثقة في المؤسسات. وهي ملفات لا يمكن معالجتها بالبلاغات السياسية أو الخطابات المتفائلة، بل تتطلب إجراءات ملموسة، وأهدافاً قابلة للقياس، وآجالا واضحة للتنفيذ.
وفي المحصلة، لن يحسم نجاح هذا التحالف الجدل الدائر حول خلفياته، وإنما ستحدده حصيلة السياسات العمومية ومدى انعكاسها على حياة المواطنين. فإذا تحول التوافق إلى فرصة للإصلاح، فقد يكتسب شرعية سياسية إضافية. أما إذا اقتصر على توزيع الحقائب وتدبير المصالح، فسيكون اختبارا جديدا لقدرة الأحزاب على صون هويتها واستقلالية قراراتها عندما تقترب من السلطة.
فالمغاربة لا يحتاجون إلى تحالفات تنهي خلافات السياسيين فحسب، بل إلى توافقات تنهي أسباب معاناتهم اليومية، وتجعل المسؤولية تكليفاً مقروناً بالمحاسبة، لامكسبا سياسيا منفصلا عن الوعود الانتخابية.