الانتفاضة/ ابراهيم السروت
مع انتهاء الولاية الحكومية التي قادها عزيز أخنوش، وبمشاركة حزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال، أصبح من المشروع طرح السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة: ماذا تحقق فعلاً خلال هذه السنوات؟ ومن يتحمل المسؤولية السياسية عن الحصيلة، بنجاحاتها وإخفاقاتها؟
فالحكومة لا يمكن اختزالها في شخص رئيسها أو في حزب التجمع الوطني للأحرار وحده، لأنها حكومة ائتلافية شارك فيها الأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، وبالتالي فإن تقييم المرحلة ينبغي أن يشمل مكونات الأغلبية الثلاثة، كلٌّ حسب موقعه ومسؤوليته والقطاعات التي دبرها.
الدولة الاجتماعية.. أبرز أوراق الحكومة
لا يمكن إنكار أن حكومة أخنوش حققت تحولاً مهماً في تنزيل ورش الدولة الاجتماعية، وعلى رأسه الدعم الاجتماعي المباشر والحماية الاجتماعية.
فحسب المعطيات الرسمية، استفادت حوالي 4 ملايين أسرة، أي قرابة 12 مليون مواطن، من الدعم الاجتماعي المباشر، بينما بلغ مجموع المبالغ المحولة للأسر منذ انطلاق البرنامج في دجنبر 2023 حوالي 51 مليار درهم إلى نهاية 2025.
كما شهدت منظومة التأمين الصحي توسعاً كبيراً، إذ ارتفع عدد المستفيدين من نظام التأمين الخاص بالعمال غير الأجراء من حوالي 8 آلاف سنة 2021 إلى نحو 1.7 مليون مستفيد سنة 2025، وفق المعطيات التي قدمها رئيس الحكومة.
وهذه أرقام مهمة، لكنها لا تعني أن كل مشاكل المغاربة الاجتماعية قد حُلّت. فالدعم الاجتماعي يخفف العبء عن الأسر، لكنه لا يعوض الحاجة إلى وظائف مستقرة، وأجور محترمة، وتعليم جيد، وصحة عمومية فعالة، وأسعار في متناول المواطن.
الاستثمار.. أرقام كبيرة والامتحان هو فرص الشغل
تضع الحكومة الاستثمار في مقدمة إنجازاتها، خصوصاً بعد دخول ميثاق الاستثمار الجديد حيز التنفيذ.
وفي أبريل 2026، صادقت اللجنة الوطنية للاستثمارات على 44 مشروعاً بقيمة تجاوزت 86 مليار درهم، مع توقع إحداث أكثر من 20 ألف منصب شغل.
لكن السؤال السياسي والاجتماعي الذي سيظل مطروحاً هو: كم من هذه الاستثمارات وصل أثره الحقيقي إلى الشباب والطبقة المتوسطة والمناطق المهمشة؟
فالاستثمار لا يقاس فقط بحجم الأموال المرصودة، وإنما بعدد المقاولات التي تخلق، وبعدد الوظائف المستدامة التي توفرها، وبمدى انعكاسها على التنمية المحلية.
وهنا تظل قضية التشغيل واحدة من أصعب الملفات التي واجهت الحكومة. وقد خصصت الحكومة 14 مليار درهم لخارطة الطريق الجديدة للتشغيل، مع برامج تستهدف الشباب والنساء وغير الحاصلين على شهادات.
لكن المواطن لا ينتظر فقط برامج وأرقاماً؛ إنه ينتظر فرصة عمل حقيقية.
وماذا عن القدرة الشرائية؟
هنا توجد واحدة من أكبر نقاط ضعف الحكومة.
فبينما كانت الحكومة تعرض أرقاماً إيجابية حول الاستثمار والدعم والحماية الاجتماعية، كان المواطن يواجه في حياته اليومية ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار عدد من المواد والخدمات.
وهذا التناقض بين لغة المؤشرات الاقتصادية ولغة المعيش اليومي أصبح عاملاً أساسياً في الحكم السياسي على الحكومة.
فالأسرة المغربية لا تقيس نجاح الحكومة بعدد الاتفاقيات الاستثمارية فقط، وإنما تسأل: هل تحسن دخلي؟ هل انخفضت الأسعار؟ هل وجد أبنائي عملاً؟ هل أصبحت الخدمات الصحية أفضل؟ وهل يستطيع المواطن أن يعيش بكرامة؟
«التراكتور» والاستقلال.. لا يمكنهما الاختباء خلف أخنوش
سياسياً، لم يعد مقبولاً أن يتحمل حزب رئيس الحكومة وحده مسؤولية الولاية، بينما يقدَّم حزبا الأصالة والمعاصرة والاستقلال باعتبارهما مجرد شريكين.
التراكتور والاستقلال كانا جزءاً من القرار الحكومي، وبالتالي فهما شريكان في الإنجاز وشريكان أيضاً في تحمل المسؤولية السياسية عن الإخفاقات.
فإذا كانت الحكومة قد نجحت في بعض الملفات، فإن النجاح جماعي. وإذا فشلت في ملفات أخرى، فالفشل أيضاً لا ينبغي أن يُختزل في رئيس الحكومة وحده.
والناخب المغربي كان أمام هذه المعادلة في انتخابات 2026، فحكمه لم يكن فقط على شخص أخنوش، وإنما على تجربة سياسية كاملة.
انتخابات 2026.. المواطن قال كلمته
نتائج الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 أعادت ترتيب موازين القوى داخل المشهد السياسي المغربي.
فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعداً، مقابل 66 للتجمع الوطني للأحرار و65 لحزب الاستقلال. وبذلك حافظت الأحزاب الثلاثة مجتمعة على أغلبية برلمانية، لكنها فقدت 42 مقعداً مقارنة بنتائج 2021.
وهنا تبرز مفارقة سياسية مهمة: الحزب الذي شارك في الحكومة واستطاع أن يعزز موقعه انتخابياً هو الأصالة والمعاصرة، بينما تراجع الحزب الذي كان يقود الحكومة، كما تراجع الاستقلال أيضاً.
وهذا يعني أن الناخب لم يتعامل بالضرورة مع أحزاب الأغلبية ككتلة واحدة، بل ميّز بين أدائها وصورتها السياسية وتنظيمها ومرشحيها وقدرتها على التواصل مع المواطنين.
الحصيلة بين الإنجاز والانتظارات
لا يمكن إنكار ما تحقق في الدعم الاجتماعي والحماية الاجتماعية والاستثمار والبنية التحتية وبعض القطاعات الاستراتيجية.
لكن في المقابل، تبقى ملفات التشغيل والقدرة الشرائية والخدمات العمومية والفوارق الاجتماعية والمجالية اختبارات لم تنتهِ بمجرد انتهاء الولاية الحكومية.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل أنجزت حكومة أخنوش شيئاً؟
فالجواب هو نعم.
ولكن السؤال الأهم هو: هل كانت تلك الإنجازات في مستوى انتظارات المغاربة؟
وهنا ستبقى الإجابة مفتوحة للنقاش.
لقد حصلت الحكومة على فرصة خمس سنوات، وشارك في تدبيرها ثلاثة أحزاب كبرى: الأحرار، الأصالة والمعاصرة والاستقلال. واليوم، بعد أن قال الناخب كلمته في انتخابات 2026، لم يعد ممكناً الاكتفاء بعرض الأرقام الحكومية، بل أصبح ضرورياً وضع تلك الأرقام أمام مرآة الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
فالسياسة في النهاية ليست أرقاماً فقط، وليست خطابات انتخابية فقط؛ السياسة هي ماذا تغير في حياة المواطن؟
وهذا هو الامتحان الحقيقي الذي سيظل يلاحق كل من شارك في حكومة أخنوش، سواء كان في المقدمة أو في الصف الثاني.