من الرباط إلى إسلام آباد: نساء بلغن قمة السلطة في العالم الإسلامي

0

الانتفاضة/ ابراهيم السروت

عين الملك محمد السادس، يوم الثلاثاء، فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، رئيسة للحكومة، وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، بمقتضى الفصل 47 من الدستور. وبذلك تدخل المنصوري التاريخ السياسي للمملكة بوصفها أول امرأة تتولى هذا المنصب في المغرب، في لحظة يتقاطع فيها ما هو دستوري بما هو رمزي. فالقرار الملكي ليس مجرد إجراء مسطري تفرضه نتائج الاقتراع، بل هو أيضا محطة تكسر تقليدا سياسيا ظل ذكوريا منذ استقلال البلاد، وتفتح النقاش من جديد حول موقع المرأة في هرم السلطة داخل المجتمعات الإسلامية، وحول ما تحقق من مكاسب وما ينتظر من رهانات.

ولا يأتي هذا التكليف من فراغ. فقد جرت الانتخابات التشريعية في 23 شتنبر، وتصدرها حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدا، متبوعا بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، ثم الاستقلال بـ65 مقعدا، والعدالة والتنمية بـ54 مقعدا. ولأن مجلس النواب يضم 395 مقعدا ويتطلب بلوغ الأغلبية المطلقة 198 مقعدا، فإن النتيجة لا تكفي الحزب لتشكيل الحكومة منفردا. ومن ثم تنتظر المنصوري مشاورات مع مختلف القوى السياسية لبناء أغلبية حكومية، وهي مهمة تتطلب صبرا تفاوضيا وقدرة على التوفيق بين حسابات الأحزاب. وتتراوح السيناريوهات المطروحة بين استعادة تحالف الأمس مع الأحرار والاستقلال والانفتاح على أحزاب أخرى.

غير أن الحدث يتجاوز الحسابات الحزبية إلى دلالته الاجتماعية العميقة. فالمغرب راكم خلال العقدين الأخيرين إصلاحات مست وضع المرأة، من مدونة الأسرة سنة 2004 إلى دستور 2011 الذي نص على مبدأ المساواة والسعي نحو المناصفة، مرورا بنظام اللوائح الوطنية والتمييز الإيجابي الذي رفع حضور النساء في البرلمان والمجالس المنتخبة. وقد كانت هذه الخطوات تراكمية وبطيئة، وكثيرا ما قوبلت بمقاومة اجتماعية وثقافية. ووصول امرأة إلى رئاسة الحكومة يُقرأ في هذا السياق باعتباره ثمرة تراكم طويل، لا قفزة مفاجئة، وباعتباره تتويجاً لمسار انتقلت فيه النساء المغربيات من هامش القرار إلى قلبه.

وإذا كان المغرب يدخل اليوم هذا النادي، فإن العالم الإسلامي عرف هذه التجربة قبل عقود. ويسجل التاريخ السياسي الحديث لجنوب آسيا السبق في اختراق السقف الزجاجي للسلطة، مع بينظير بوتو، ابنة ذو الفقار علي بوتو، التي أصبحت في دجنبر 1988 أول وأصغر امرأة تترأس حكومة في العالم الإسلامي المعاصر. عادت إلى المنصب في أكتوبر 1993 بعد أن أُسقطت حكومتها الأولى، لكن ولايتها الثانية لم تكتمل بدورها. وانتهت مسيرتها بمأساة في دجنبر 2007، حين استهدف هجوم مسلح موكبها في مدينة راولبندي بعد عودتها إلى الحياة السياسية. وهكذا جمعت تجربة بوتو بين الإنجاز التاريخي والثمن الباهظ الذي قد تدفعه القيادات في بيئات مشحونة بالعنف السياسي.

وغير بعيد عن باكستان، تقدم بنغلادش، التي كانت تعرف بباكستان الشرقية قبل الانفصال، تجربة فريدة في هيمنة العنصر النسائي على قمة الهرم السياسي. فقد تولت خالدة ضياء، زعيمة الحزب الوطني البنغالي، رئاسة الوزراء لولايتين، الأولى بين 1991 و1996 والثانية بين 2001 و2006، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في بلادها وثاني امرأة مسلمة تبلغه بعد بينظير بوتو. وقد رحلت عن الدنيا عن عمر ناهز الثمانين عاما، بعد مسيرة طويلة طبعتها صراعات حادة مع خصومها السياسيين. وظل اسمها مقترنا بحقبة كاملة من التاريخ البنغالي الحديث، تناوبت فيها امرأتان على الحكم.

أما المرأة الثانية في هذه المعادلة فهي الشيخة حسينة واجد، ابنة الشيخ مجيب الرحمن مؤسس الدولة البنغالية، التي تولت رئاسة الوزراء على خمس فترات متقطعة بين 1996 و2024. غير أن مسيرتها الطويلة انتهت بشكل دراماتيكي في غشت 2024، حين أطاحت احتجاجات واسعة بحكومتها، ففرت إلى الهند المجاورة إثر اتهامات بقمع المعارضة. وهكذا أُسدل الستار على فترة حكم امتدت زهاء عقدين من الزمن. وتكشف قصة حسينة أن طول البقاء في السلطة قد يتحول من دليل على الكفاءة السياسية إلى مصدر استياء شعبي إذا ضاق هامش الحرية، وأن المرأة القائدة لا تعفى من محاسبة الشارع.

وفي تركيا، تعد تانسو تشيلر أول امرأة تتولى رئاسة الوزراء في تاريخ الجمهورية الحديث، وذلك سنة 1993. وقد جاءت إلى المنصب بعد أن تسلمت زعامة حزب الطريق القويم خلفا لسليمان ديميريل، الذي انتقل من رئاسة الحكومة إلى رئاسة الجمهورية وترك لها الموقع. ولم تدم الحال طويلا، إذ تراجع حزبها في انتخابات 1999 ثم في انتخابات 2002، قبل أن تعتزل العمل السياسي نهائيا. وتذكر هذه التجربة بأن الوصول إلى السلطة لا يضمن الاستمرار فيها، وأن التحولات الانتخابية لا ترحم أحدا، رجلا كان أو امرأة.

وعلى امتداد القارة الإفريقية، تبرز تجارب متنوعة. ففي السنغال، كانت مامي ماديور بوي أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة، من 3 مارس 2001 إلى أوائل نونبر 2002، وتبعتها مواطنتها أميناتا توري التي شغلت المنصب نفسه بين شتنبر 2013 ويوليوز 2014. وفي تونس قادت نجلاء بودن الحكومة بين 2021 و2023، وتشغل سارة الزعفراني الزنزري المنصب منذ أواخر مارس من العام الماضي. وتظهر هذه الأمثلة أن الحضور النسائي في رئاسة الحكومات لم يعد استثناء معزولا في شمال إفريقيا وغربها، بل صار جزءاً من المشهد المؤسساتي، وإن ظل بعضه مرتبطا بظروف انتقالية أو بمراحل سياسية دقيقة.

وفي مالي، تعد سيسي مريم كايداما سيديبي أول امرأة تتولى رئاسة الوزراء في تاريخ الدولة، إثر تعيينها من طرف الرئيس السابق أمادو توماني توريه في أبريل 2011. وقد استمرت في منصبها إلى مارس 2012، حين شهدت البلاد انقلاباً عسكريا أطاح بالرئيس وحكومته، قاده عسكريون احتجاجا على طريقة التعامل الأمني مع تمرد الطوارق في الشمال. وتوضح هذه الواقعة هشاشة المسارات المؤسساتية في بعض السياقات، حيث قد تنهار حكومة بأكملها بفعل أزمة أمنية أو انقلاب، فتضيع معها المكاسب الرمزية التي حققتها المرأة في لحظة سياسية معينة.

ولا تقتصر التجربة على رئاسة الحكومات، فقد بلغت نساء منصب رئاسة الدولة نفسه. ففي إندونيسيا، أكبر بلد إسلامي من حيث عدد السكان، تولت ميغاواتي سوكارنو بوتري رئاسة الجمهورية من يوليوز 2001 إلى أكتوبر 2004، في فترة حساسة أعقبت سقوط نظام سوهارتو. وقد أدارت مرحلة انتقالية معقدة بين إرث السلطوية ومتطلبات الانفتاح الديمقراطي. وفي قرغيزستان، العضو في منظمة التعاون الإسلامي، تولت روزا أوتونباييفا رئاسة البلاد بشكل مؤقت بين 2010 و2011 خلفاً لكرمان بيك باكييف، لتصبح أول امرأة في هذا المنصب في بلد كان جزءاً من الاتحاد السوفياتي.

وفي كوسوفو، تولت عاطفة يحيى آغا ثم فيوسا عثماني رئاسة الدولة، والأخيرة تقلدت المنصب منذ سنة 2021. وتجسد هذه الأسماء تنوع السياقات التي بلغت فيها النساء القمة، من جمهوريات آسيوية كبرى إلى دول صغيرة خرجت من نزاعات وتحولات كبرى. وفي خضم هذه المسيرة المتصاعدة، من إسلام آباد إلى دكا، ومن أنقرة إلى داكار، ومن تونس إلى الرباط مروراً بباماكو، تتشكل صورة متعددة الألوان لنساء حكمن في ظروف مختلفة، ولكل منهن قصة خاصة بين الإنجاز والإخفاق.

وإذا أمعنا النظر في هذه النماذج، برزت ظاهرة لافتة تستحق التوقف عندها. فعدد من هؤلاء القياديات جئن من بيوتات سياسية عريقة، فبينظير بوتو ابنة رئيس وزراء سابق، وحسينة واجد ابنة مؤسس دولتها، وميغاواتي ابنة الزعيم الاستقلالي سوكارنو، وخالدة ضياء أرملة رئيس سابق. وقد رأى منتقدون في ذلك دليلا على أن الوصول إلى السلطة ظل مرتبطا بالوراثة السياسية أكثر من ارتباطه بتكافؤ الفرص. لكن الإنصاف يقتضي القول إن الانتماء العائلي لم يكن كافيا وحده، فالشرعية الانتخابية والقدرة على إدارة الأزمات كانتا حاسمتين. أما في الحالة المغربية، فمسار المنصوري يبدو مختلفا، إذ تدرجت في العمل الحزبي والمحلي، وترأست مجلس مدينة مراكش، وتولت حقيبة الإسكان، قبل أن تقود حزبها ضمن صيغة القيادة الجماعية.

وأمام المنصوري اليوم امتحان مزدوج. فعليها أولا أن تنجح في نسج تحالف حكومي متماسك من بين أحزاب متنافسة لا تملك أي منها الأغلبية منفردة، وأن تقدم برنامجا يقنع البرلمان بمنحها الثقة. وعليها ثانيا أن تستجيب لانتظارات الشارع المغربي، وفي مقدمتها العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد وتقليص الفوارق المجالية وفتح آفاق الأمل أمام الشباب. وسيراقب المتابعون أداءها بعين مضاعفة، لأن نجاحها أو إخفاقها سيقرأ خارج حدود الحكومة، وسيؤثر في نظرة المجتمع إلى القيادات النسائية المقبلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.