الانتفاضة / شاكر ولد الحومة
محاربة الفساد لا تبدأ بالسجون، وإن كان السجن قد يكون، في الحالات التي يثبت فيها ارتكاب جـ.ـرائم، جزءاً من تطبيق القانون. لكن السؤال الحقيقي هو: كيف نمنع الفساد قبل أن يتحول إلى قضية أمام القضاء؟
إن بناء دولة قوية لا يكون بكثرة الملفات القضائية ولا بعدد الأشخاص الموجودين خلف القضبان، وإنما بوجود مؤسسات قادرة على منع الفساد من الأصل، وإغلاق الأبواب التي تسمح بالرشوة واستغلال النفوذ وتضارب المصالح والتلاعب بالمال العام.
فالوقاية تسبق العقوبة، وكلما كانت الإدارة شفافة، والمساطر واضحة، والصفقات العمومية خاضعة للمراقبة، والمعلومة متاحة للمواطن والصحافة، تقلصت فرص التلاعب. أما عندما تغيب الشفافية وتتعقد المساطر وتضعف آليات المراقبة، فإن الفساد يجد البيئة المناسبة للنمو.
محاربة الفساد تبدأ أيضاً من ربط المسؤولية بالمحاسبة. فالمسؤول الذي يتحمل مسؤولية تدبير مؤسسة أو جماعة أو مرفق عمومي يجب أن يكون مستعداً لتقديم الحساب عن القرارات التي اتخذها وعن المال العام الذي وضع تحت تصرفه. والمحاسبة لا تعني التشهير أو تصفية الحسابات السياسية، وإنما تعني الاحتكام إلى القانون والأدلة والمؤسسات المختصة.
كما أن الأحزاب السياسية والمؤسسات المنتخبة تتحمل مسؤولية كبيرة. فالمواطن لا يريد خطابات انتخابية جميلة فقط، بل يريد نتائج ملموسة: خدمات عمومية جيدة، مشاريع تنموية حقيقية، وعدالة في توزيع الإمكانات، ووضوحاً في تدبير المال العام.
وهنا يأتي دور الصحافة الجادة والمجتمع المدني، فالصحفي المهني لا يصدر الأحكام مكان القضاء، لكنه يستطيع طرح الأسئلة، والتحقيق في الاختلالات، ونقل صوت المواطنين، ومراقبة أداء المؤسسات، أما القضاء فيبقى صاحب الاختصاص في تحديد المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية عندما تتوفر الأدلة.
إن السجن قد يكون نتيجة طبيعية عندما تثبت جريمة فساد أمام القضاء، لكنه لا ينبغي أن يكون هو نقطة البداية في تصورنا لمحاربة الفساد. البداية الحقيقية هي التربية على النزاهة، والشفافية، والرقمنة، والمراقبة، وتبسيط الإدارة، وحماية المبلغين، واستقلال المؤسسات الرقابية، وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
المواطن يريد أن يرى دولة تمنع الفساد قبل وقوعه، وتكشف الاختلالات في وقتها، وتحاسب كل من تثبت مسؤوليته، أياً كان موقعه أو نفوذه.
لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست بين الدولة والسجين، وإنما بين منظومة النزاهة ومنظومة الفساد.
فإذا أردنا مغرباً أكثر عدلاً وثقةً في مؤسساته، فعلينا أن نبدأ من السؤال الأصعب: كيف نمنع الفساد من الوصول إلى السجن أصلاً؟
لأن أفضل محاربة للفساد ليست أن نملأ السجون، وإنما أن نبني مؤسسات تجعل الفساد أكثر صعوبة، وأكثر انكشافاً، وأقل قابلية للإفلات من المحاسبة.