الملك “هارالد الخامس” .. شخصية ملكية كرّست حياتها لخدمة النرويج

0

الانتفاضة / ابراهيم السروت

إنتقل إلى عفو الله الملك “هارالد” الخامس، ملك النرويج، يوم أمس الجمعة 28 غشت 2026 عن عمر ناهز 89 سنة، بعد مسيرة طويلة قضاها في خدمة بلاده وشعبه. وقد شكل خبر وفاته لحظة حزينة في تاريخ النرويج، بعدما ارتبط اسمه على مدى عقود بصورة الملك القريب من المواطنين، والمتشبث بدوره في الحفاظ على وحدة البلاد واستقرارها.

فقد ولد هارالد في 21 فبراير 1937 في منطقة سكاوغوم بالنرويج، وكان ابن ولي العهد أولاف والأميرة مارثا، وحفيد الملك هاكون السابع. وكان أول أمير يولد في النرويج منذ 567 عاماً، الأمر الذي جعل ولادته حدثاً مهماً في تاريخ الأسرة الملكية النرويجية.ولم تكن طفولة الأمير هارالد سهلة، فقد عاش جزءاً من طفولته في ظل الحرب العالمية الثانية. وعندما اجتاحت القوات الألمانية النرويج سنة 1940، غادرت الأسرة الملكية البلاد، وعاش هارالد وأسرته فترة في الولايات المتحدة قبل العودة إلى النرويج بعد انتهاء الحرب سنة 1945. هذه التجربة المبكرة جعلته شاهداً على واحدة من أصعب المراحل في تاريخ بلاده.

وقد اهتم هارالد بالتعليم والتكوين العسكري، فتخرج من الأكاديمية العسكرية النرويجية سنة 1959، ثم تابع دراسته في جامعة أكسفورد بين 1960 و1962، حيث درس العلوم الاجتماعية والتاريخ والاقتصاد. كما عرف منذ شبابه بحبه للرياضة، وخاصة رياضة الإبحار، وشارك في الألعاب الأولمبية، وظل يمارس الإبحار التنافسي لسنوات طويلة.
وفي سنة 1968 تزوج سونيا هارالدسن، وهي من عامة الشعب وليست من أسرة ملكية أو أرستقراطية، وكان هذا الزواج في ذلك الوقت قراراً أثار نقاشاً واسعاً داخل المجتمع النرويجي. لكن الملك أولاف وافق في النهاية على الزواج، وأصبح هارالد وسونيا لاحقاً من أكثر الوجوه ارتباطاً بالحياة العامة في النرويج.واعتلى هارالد الخامس العرش في 17 يناير 1991 بعد وفاة والده الملك أولاف الخامس، وأدى القسم على احترام الدستور أمام البرلمان النرويجي بعد أيام قليلة. وبحكم النظام الملكي الدستوري في النرويج، كانت مهمته أساساً تمثيلية ورمزية، لكنه أدى دوراً مهماً باعتباره رمزاً لوحدة المجتمع النرويجي.

ومن أبرز سماته قدرته على الحضور في اللحظات الصعبة التي عاشتها بلاده. فقد ظهر إلى جانب الشعب في أوقات الأزمات والمآسي، ومن بينها الهجمات الإرهابية التي شهدتها النرويج سنة 2011، حيث عبّر عن الحزن الوطني وحرص على التأكيد على قيم التضامن والتسامح والوحدة.

كما اهتم الملك هارالد بقضايا البيئة والطبيعة، وكان من المشاركين في تأسيس الفرع النرويجي للصندوق العالمي للطبيعة، وظل يدافع عن حماية الطبيعة والبيئة خلال حياته العامة.إن شخصية هارالد الخامس لا تختصر في كونه ملكاً، بل تمثل بالنسبة إلى كثير من النرويجيين مرحلة طويلة من تاريخ البلاد الحديث. فقد عاش الحرب، وتولى ولاية العرش، ثم حكم لأكثر من 35 عاماً، وظل حاضراً في المناسبات الوطنية وفي أفراح الشعب وأحزانه.

وبرحيله، تفقد النرويج شخصية ملكية طبعت تاريخها الحديث، بينما تنتقل المسؤولية إلى الجيل الجديد من الأسرة الملكية. وسيبقى اسم هارالد الخامس مرتبطاً بمرحلة طويلة من الاستقرار والتمثيل الوطني، وبملك اختار أن يجعل شعاره: «كل شيء من أجل النرويج».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.