الانتفاضة / سيداتي بيدا
في سابقة تسقط ورقة التوت عن الشعارات الحقوقية الأوروبية، وتكشف زيف الادعاءات الإنسانية، تحول مكتب الهجرة البلجيكي من جهة يُفترض بها تنظيم اللجوء وحماية المستضعفين، إلى شرك إداري ومركز للاستدراج الأمني المنظم.
تفاصيل هذه الفضيحة الأخلاقية والقانونية المدوية تفجرت بعد لجوء السلطات البلجيكية إلى حيلة وصفتها الأوساط الحقوقية بـ “الخسيسة”؛ حيث تم توجيه استدعاءات رسمية مكثفة لعشرات المهاجرين غير النظاميين وطالبي اللجوء، بذرائع واهية تتعلق بتسوية وضعيتهم الإدارية، والاستماع إلى ملفاتهم، وتسجيل طلباتهم القانونية.
وما إن وطئت أقدام الضحايا، الذين حضروا طواعية وبنية حسنة، مقر مكتب الأجانب حتى أُغلقت في وجوههم الأبواب، ليتفاجؤوا بوقوعهم في كمين مُحكم، انتهى باحتجازهم الفوري ونقلهم إلى مراكز احتجاز مغلقة تمهيداً لترحيلهم القسري.
هذه الممارسات الأمنية، التي تشابه أساليب العصابات في المباغتة والخداع، لم تعد مجرد تصرفات فردية معزولة، بل تحولت إلى سياسة ممنهجة وعقيدة عمل تتبناها الإدارة البلجيكية.
ووفقاً للبيانات الرسمية والصحفية الصادمة، فقد سقط في هذا الفخ الممنهج ما نحوه 68 شخصاً منذ مطلع العام الجاري فقط، وهو رقم مرعب يوشك أن يتجاوز حصيلة العام الماضي بأكمله (71 حالة)، مما يعكس تصعيداً خطير وغير مبرر في وتيرة قمع المهاجرين.
لقد أشعلت هذه “المصيدة الإدارية” غضباً عارماً نتجت عنه فوضى حقوقية كبرى داخل المنظمات الإنسانية البلجيكية والدولية، التي أدانت بأشد العبارات هذا الانحدار الأخلاقي، واعتبرته انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان، وضرباً لـ “مبدأ الثقة” المفترض بين الأفراد والمؤسسات الرسمية.
وقد حذرت المنظمات من أن تحويل المعاملات الإدارية إلى مصائد أمنية يعد جريـ.ـمة في حق القانون الدولي الإنساني، ويسلب طالبي اللجوء أبسط حقوقهم في الأمان والمحاكمة العادلة.
لكن المثير للاشمئزاز والرفض، هو إصرار السلطات البلجيكية على غيها، وتعنتها الممنهج؛ حيث رفضت تجميد هذه الإجراءات أو التراجع عنها، متسترة وراء عباءة تطبيق قوانين الإبعاد، وضاربة بعرض الحائط كل المواثيق والعهود الدولية.
إن هذا التعنت لا يمثل سوى طعنة في خاصرة العدالة، ووصمة عار ستبقى تلاحق السياسة الإقليمية التي تشرعن الغدر الإداري، وتحول القانون من أداة حماية إلى أداة بطش وتنكيل بالضعفاء والهاربين من ويلات الحروب والأزمات.