الانتفاضة / مهدي الكريمي
لم يعد تتويج المنتخب الإسباني بلقب كأس العالم 2026 مجرد إنجاز رياضي يضاف إلى سجلات “لا روخا”، بل تحول إلى إعلان رسمي عن ميلاد حقبة جديدة من الهيمنة الكروية، عنوانها الاستمرارية والتخطيط طويل الأمد. فخلال خمس سنوات فقط، نجحت إسبانيا في حصد 16 لقبًا قاريًا وعالميًا على مستوى الرجال والسيدات والفئات السنية، لتفرض نفسها كأقوى مدرسة كروية في العالم.
وجاء التتويج العالمي بعد فوز إسبانيا على الأرجنتين بهدف دون رد في نهائي مونديال 2026، ليعيد إلى الأذهان إنجاز عام 2010، عندما توج المنتخب الإسباني بكأس العالم بعد عامين من إحراز بطولة أوروبا. واليوم، كرر الإسبان السيناريو ذاته بعد التتويج بيورو 2024، مؤكدين أن النجاح لم يعد وليد الصدفة، بل نتيجة مشروع متكامل.
ولم تقتصر الإنجازات على المنتخب الأول للرجال، إذ صنعت كرة القدم النسائية الإسبانية بدورها تاريخًا استثنائيًا، بعدما أحرزت لقب كأس العالم للسيدات عام 2023، وأضافت لقبي دوري الأمم الأوروبية في عامي 2024 و2025، إلى جانب سلسلة من البطولات الأوروبية والعالمية للفئات السنية، في مشهد يعكس عمق قاعدة المواهب داخل البلاد.
وعلى مستوى الرجال، عزز المنتخب الإسباني سجله بإحراز دوري الأمم الأوروبية عام 2023، وكأس أمم أوروبا 2024، والميدالية الذهبية في أولمبياد باريس، قبل أن يختتم سلسلة الإنجازات بلقب كأس العالم 2026، فيما واصل منتخب الشباب بدوره حصد الألقاب القارية.
ويعد المدرب لويس دي لا فوينتي أحد أبرز مهندسي هذه المرحلة الذهبية. فمنذ توليه قيادة المنتخب الأول عقب مونديال قطر 2022، نجح في بناء فريق يجمع بين الخبرة والشباب، مستفيدًا من معرفته العميقة باللاعبين الذين أشرف على تطويرهم في مختلف الفئات العمرية داخل المنتخبات الإسبانية.
وتجسد أسماء مثل لامين يامال، وباو كوبارسي، وبيدري، ونيكو ويليامز ملامح الجيل الجديد الذي يحمل راية الكرة الإسبانية، بينما تواصل مواهب كرة القدم النسائية، على غرار فيكي لوبيز وسلمى بارالويلو، تأكيد أن المستقبل لا يزال يحمل الكثير لهذا المشروع.
ولا يقف نجاح إسبانيا عند حدود المنتخبات، بل يمتد إلى الأندية والأكاديميات التي أصبحت نموذجًا عالميًا في اكتشاف المواهب وصقلها، كما يتزايد الحضور الإسباني على مقاعد تدريب أكبر الدوريات الأوروبية، في دليل على التأثير المتنامي للمدرسة الإسبانية.
ويجمع كثير من المحللين على أن سر التفوق الإسباني لا يكمن في وجود جيل استثنائي فقط، بل في منظومة متكاملة تبدأ من الأكاديميات، وتعتمد فلسفة لعب موحدة، واستثمارًا مستمرًا في التكوين، ما ضمن استمرارية النجاح عبر مختلف الفئات.
وبين ألقاب الرجال والسيدات، والبطولات الأوروبية والعالمية، تؤكد إسبانيا أنها لم تعد مجرد منتخب يحقق الانتصارات، بل أصبحت مشروعًا رياضيًا متكاملًا أعاد رسم خريطة كرة القدم العالمية، وقدم نموذجًا يحتذى به لكل الاتحادات الباحثة عن النجاح المستدام.