” الأب… الرجل الذي يذبل واقفا “

0

الانتفاضة / ذ.هشام الدكاني

في زمن ٱرتفعت فيه الأصوات المطالبة بحقوق الجميع، بقي صوت واحد لا يكاد يسمع… صوت “الأب”.
ذلك الرجل الذي يخرج كل صباح حاملا على كتفيه هموم بيت بأكمله، ويعود مساءا مثقلا بالتعب، لا ليستريح، بل ليستأنف نوبة أخرى من المسؤوليات التي لا تنتهي…

لقد أصبح الأب في كثير من البيوت أشبه بآلة لا تتوقف عن العمل، أو مصرف مفتوح للصرف بلا رصيد من الراحة أو التقدير… الجميع يطلب، والجميع ينتظر، والجميع يعتقد أن الأب قادر على المستحيل.
الزوجة لها مطالبها، والأبناء لهم رغباتهم، والأقساط تتراكم، والفواتير تتوالى، والأسعار ترتفع، بينما يطلب من الأب أن يبتسم، وأن يصبر، وأن يوفر كل شيء… وكأن قلبه لا يتعب، وجسده لا ينهك، وروحه لا تنكسر.
لكن… من يسأل الأب يوما:
– ماذا تريد أنت؟
– هل أنت بخير؟
– من يلاحظ تلك التجاعيد التي لم تصنعها السنون، بل صنعتها المسؤوليات؟
– من يرى الشعر الذي غزاه الشيب أو سقط قبل أوانه، أو اليدين اللتين تشققتا وهما تبنيان مستقبل الآخرين؟
لقد ٱعتدنا أن نحتفل بـ”الأم”، وأن نتغنى بتضحياتها، وهي تستحق كل تقدير وٱحترام، لكننا كثيرا ما نسينا ذلك الرجل الذي كان يقف دائما في الخلف، يبتلع تعبه بصمت، ويؤجل أحلامه عاما بعد عام، فقط لأن أبناءه أولى، ولأن أسرته تستحق.

– كم من أب ٱشتهى شيئا بسيطا فلم يشتره، حتى لا يحرم أبناءه مما يحبون؟
– وكم من أب أخفى معاناته وألمه… حتى لا يثقل كاهل أسرته؟
– وكم من أب دفن أحلامه، وأغلق أبواب طموحه، حتى يفتح لأبنائه أبواب المستقبل؟
إن الأب لا يبكي غالبا أمام الناس، لا لأنه لا يشعر… بل لأنه تعلم أن دموع الرجال لا تجد من يمسحها.
يبكي في صمته… وفي سجوده… وفي ليال طويلة لا يعلم بها أحد.
ولعل أقسى ما يواجهه الأب اليوم، أنه مهما بذل، يبقى مقصرا في نظر البعض.
إن ٱكترى بيتا، سئل:
– لماذا لا تشتري واحدا؟
وإن ٱشترى بيتا، قيل:
– لماذا ليس أكبر؟
وإن وفر حاجاتهم، طالبوه بالكمال، وكأن الإنسان خلق بلا حدود ولا طاقة.

لقد أصبح كثير من الآباء يعيشون غرباء داخل بيوتهم، وجودهم مرتبط فقط بما يقدمونه، لا بما يمثلونه.
وحين يضعف الأب، أو يتقاعد، أو يعجز عن العطاء… يكتشف أن كثيرا ممن كانوا يحيطون به، كانوا يلتفون حول عطائه، لا حول شخصه.
يا معشر الزوجات والأبناء:
«الأب ليس خزينة أموال… ولا آلة لتنفيذ الطلبات… ولا بنكا بلا نهاية…».
إنه إنسان…
له قلب يشتاق إلى كلمة ٱمتنان.
وله نفس تتمنى حضنا دافئا.
وله أحلام مؤجلة لم تجد يوما من يسأل عنها.
فلنرحم الآباء…
فإن الرجل الذي يقضي عمره واقفا ليحمي أسرته، يستحق على الأقل، أن يجد من يسنده حين يتعب.
وقبل أن يرحل ذلك الأب بصمت، تاركا خلفه كل شيء، تذكروا أن تقولوا له من أعماق قلوبكم:
«جزاك الله عنا خيرا يا أبي…».

وأنا، قبل أن أختم كلماتي… أقف بكل حب وإجلال أمام طيف والدي، وأقول:
«شكر الله لك يا أبي…
شكرا لكل تعب أخفيته عنا، ولكل حلم تنازلت عنه من أجلنا، ولكل دمعة حبستها حتى لا نضعف…
جزاك الله عنا خير الجزاء، وجعل كل ما قدمته لنا في ميزان حسناتك يوم العرض».
فلعل كلمة «شكرا»… تكون أعظم هدية ينتظرها “أب” أفنى عمره وهو يذبل واقفا.. لأجل أسرته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.