عاشوراء بين الجوهر الديني واستغلال الشعوذة: خطر يهدد استقرار الأسر

0

الانتفاضة//_ذ.الحجوي محمد

في موسم عاشوراء، حيث تستحضر الأمة الإسلامية قيم التضحية والصيام والعبادة، تنشط في الظل ممارسات خطيرة تحمل في طياتها تهديداً صريحاً للكيان الأسري، مستغلة حاجة الناس وضعفهم النفسي تحت غطاء ما يُروج له من “أعمال روحية” لا تمت للدين بصلة.

مع حلول العاشر من محرم كل عام، يستعد المسلمون في مختلف بقاع العالم لاستقبال هذه المناسبة العظيمة بالصيام والذكر والصدقة، تأسياً بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، الذي صام هذا اليوم وأمر بصيامه شكراً لله على نجاة نبيه موسى وقومه من فرعون وجنوده. لكن هذا الإرث النبوي المبارك أصبح في السنوات الأخيرة مطية لاستغلال المريض نفسياً والضعيف إيمانياً، عبر طقوس دخيلة لا تعترف بها الشريعة ولا يقرها العقل.

ترصد متابعات ميدانية نشاطاً غير مسبوق لصفحات ومنصات إلكترونية تروج للسحر والشعوذة و”الطب الروحاني” المزعوم، حيث تتصدر إعلانات “جلب الحبيب”، و”ربط الزوجة”، و”فك السحر”، و”تحسين الحظ”، واجهة هذه الصفحات التي يتجاوز عدد متابعي بعضها مئات الآلاف. وتنتشر هذه الظاهرة في أوقات الذروة الدينية، حيث يظن البعض أن استغلال قداسة الأيام قد يضفي شرعية على هذه الممارسات الشيطانية التي ينهى عنها الدين الإسلامي وتجرمها القوانين الوضعية.

وتكشف التحقيقات التي تجريها الجهات الأمنية بين الفينة والأخرى عن وقائع نصب واحتيال يتعرض لها ضحايا هذه الممارسات، حيث يُستنزفون مادياً مقابل وعود واهية، كما تتعرض نساء ورجال للابتزاز بعد استيلاء الدجالين على صورهم وبياناتهم الخاصة، في مشهد يفضح خطورة هذه الظاهرة وامتداداتها.

رغم توفر القوانين الزجرية التي تجرم ممارسة السحر والشعوذة، ورغم وجود أجهزة مختصة كالمديرية العامة للأمن الوطني ومصالح الجرائم الإلكترونية والنيابة العامة، تظل هذه الصفحات تنشط بعلانية صارخة، وكأنها في منأى عن الرقابة القانونية. هذا الغياب الرقابي يطرح أكثر من سؤال حول مدى جدية التصدي لهذه الظاهرة التي تنخر في النسيج الاجتماعي وتستهدف أمن الأسر واستقرارها، خاصة في ظل التقنيات الحديثة التي تسهل تتبع النشاطات غير القانونية على الشبكة العنكبوتية.

لا ينبغي الخلط بين عاشوراء التي شرعها الإسلام، وبين ما علق بها من عادات وتقاليد لا أصل لها في الدين. فالصيام والذكر وصلة الرحم وإطعام المساكين كلها مقاصد سامية، بينما تحويل هذا اليوم إلى موسم للتشاؤم وامتناع عن الأفراح، أو الاعتقاد بخصوصية غير ثابتة شرعاً، كل ذلك من البدع والخرافات التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم، وليست من هدي السلف الصالح في شيء.

في ظل هذا التحدي، تبرز الحاجة الملحة لإطلاق حملة وطنية متكاملة الأبعاد، تجمع بين التوعية الدينية والنفسية والرقابة الأمنية والإعلامية، لمجابهة هذه الممارسات التي تجاوزت كل الحدود. كما يتعين على الأسر المغربية والعربية، التي تبقى خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الظاهرة، تعزيز الوازع الديني والنفسي لدى أبنائها، وتحصينهم ضد خطابات الدجل والشعوذة التي تستهدف النيل من ثوابتهم وعقائدهم.

إن الحفاظ على قدسية عاشوراء وروحانيتها لا يتحقق فقط بالعبادات الظاهرة، بل أيضاً باجتثاث كل الممارسات التي تسيء إليها وتستغل حاجة الناس في لحظات ضعفهم، وباستعادة الدور الريادي للمؤسسات الدينية والأمنية في التوعية والرقابة، لضمان أن تبقى هذه المناسبة ذكرى طاعة وتقوى، لا موسم استغلال وخراب للبيوت.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.