الانتفاضة/ مراد بورجى
في الوقت الذي يقترب المغرب من موعد سياسي مفصلي جديد، وتتناسل الأسئلة حول من سيفوز في الانتخابات المقبلة ومن سيخسر، ومن سيتصدر المشهد الحزبي ومن سيتراجع، يبدو أن الرهان الحقيقي هو سؤال أعمق وأكثر إلحاحا مما تقدم: هل استطاعت الدولة، ممثلة في وزارة الداخلية، بتكليف ملكي، أن تضع البلاد فعلا على سكة تخليق الحياة السياسية، وتهيئة الشروط الضرورية لانتخابات تؤسس لمرحلة جديدة من الثقة في الأحزاب والمؤسسات؟ أم أننا، مرة أخرى، أمام إعادة إنتاج نفس الأعطاب التي ظلت، استحقاقا بعد آخر، تُفرغ السياسة من معناها، وتوسع المسافة بين المواطنين والعمل الحزبي؟! والسبب هو أن ما يجري فعلا على الأرض من ممارسات يكشف أن جزءا مهما من الطبقة الحزبية ما زال يتحرك بالعقليات نفسها التي راكمت أزمة الثقة وأضعفت معنى الانتماء السياسي.
ليس خافيا أن الجالس على العرش اليوم، وضع في أكثر من خطاب ورسالة وتوجيه، معالم هذا الأفق بوضوح: أحزاب قوية، وجادة، وقادرة على التأطير، ومنخرطة فعليا في المشروع الديمقراطي والتنموي الوطني… ولم يكن عبثا أن يتكرر في الخطاب الملكي الحديث عن الجدية، وعن الحاجة إلى تجديد النخب، وعن ضرورة تمكين الشباب والكفاءات، لأن الدولة تدرك، في عمقها، أن أي انتقال سياسي نوعي لا يمكن أن يتحقق بأحزاب منهكة، فاقدة للثقة، أو عاجزة عن تجديد نفسها، وهو ما جعل الملك يرسل تلك الرسائل القوية ب”إبعاد” رئيس الحكومة من الإشراف على الانتخابات المقبلة، قبل “إبعاده” كلياً من المشاركة فيها..
كما ليس خافيا أن وزارة الداخلية، بصفتها المؤسسة الدستورية المكلفة بالسهر على سلامة المسار الانتخابي، تتحمل مسؤولية مركزية في ترجمة هذا الأفق إلى قواعد، وآليات، وضوابط، وإجراءات ملموسة… بل إن وزير الداخلية نفسه، عبد الوافي لفتيت، رفع سقف التوقعات من الانتخابات المقبلة حين تحدث، تحت قبة البرلمان، عن ضرورة تخليق الحياة السياسية، وعن الحاجة إلى ميثاق أخلاقي يؤطر سلوك الأحزاب ومرشحيها، والأكثر من ذلك أنه ذهب إلى حد إطلاق عبارة قوية حين قال: “لا نريد مشبوهين داخل البرلمان.. وإن لم يبتعدوا بأنفسهم سنُبعدهم نحن”…
كانت تلك العبارة قوية، بل ثقيلة سياسيا وأخلاقيا، لأنها بدت كأنها إعلان عن مرحلة جديدة ستنتقل فيها الدولة من مجرد تنظيم الانتخابات إلى التدخل الحاسم في حماية مصداقيتها… غير أن الأشهر التي تلت تلك التصريحات لم تحمل، إلى حدود الآن، ما يدل على أن هذا التحول قد بدأ فعلا!؟
بل إن ما يجري أمام أعين الجميع لحد الساعة يقول العكس تماما!!!
هنا تحديدا، تنتقل المسؤولية من مستوى النوايا المعلنة إلى مستوى المساءلة السياسية المباشرة. فحين يعلن وزير الداخلية، من داخل البرلمان، أنه لا يريد “مشبوهين” داخل المؤسسة التشريعية، فإن هذا الالتزام لا ينبغي أن يبقى مجرد إعلان نوايا أخلاقية، إذ يفترض أن يُترجم إلى إجراءات ملموسة، تبدأ ب”مراقبة” صارمة لمساطر التزكية داخل الأحزاب، برصد مبكر لاستعمال المال والنفوذ، والتدخل الحازم كلما تحوّلت الانتخابات إلى سباق بين شبكات المصالح لا بين المشاريع السياسية… أما أن يستمر المشهد الحزبي في الانزلاق نحو نفس الممارسات القديمة، دون أن يظهر أثر لهذا الحزم الموعود، فإن ذلك يطرح يطرح أكثر سؤال!!.
المعضلة أن الأحزاب، التي يُفترض أنها مطالبة بتقديم أفضل ما لديها للمغاربة، استعدادا لمحطة انتخابية يُفترض أن تكون جزءا من بناء مغرب جديد، “مغرب ولي العهد” تبدو منشغلة، في حالات كثيرة، بمنطق يصطف على النقيض… لم تعد الأولوية، كما يبدو، لا للنزاهة ولا للكفاءة ولا للقدرة على التأطير أو الإقناع أو تمثيل المواطنين بجدارة. أولوية الأحزاب أصبحت، في كثير من الحالات، محصورة في سؤال واحد يكاد يختزل كل شيء: من هو المرشح “القادر” على ضمان المقعد لولوج الأمين العام للحزب لترؤس الحكومة المقبلة؟!
لكن السؤال الأخطر، الذي ينبغي أن يُطرح بلا مواربة، هو: من أين يأتي بعض هؤلاء المرشحين بكل هذه الثقة المريبة في أن المقعد صار في جيبهم قبل أن يبدأ الاقتراع أصلا؟
منذ الآن يتحرك بعض هؤلاء المرشحين في الدوائر الانتخابية كما لو أن النتيجة قد حُسمت سلفا، ويتصرفون أمام الناس بمنطق من يملك “صكّ الفوز” مسبقاً، ليس لأن “الناخبين” يثقون في برامج أحزابهم، بل لأنهم يراهنون، بكل بساطة، على ما ظل يفسد الانتخابات منذ عقود: توزيع المال الحرام، واستعمال الشبكات، واستغلال الحاجة والهشاشة، وتحويل الفقر إلى خزّان أصوات؟!
حين يصل مرشح إلى درجة اليقين بأنه “داخل للبرلمان” قبل أن يفتح صندوق اقتراع واحد، فذلك دليل أن ديمقراطية الانتخاب باتت في كف عفريت، بل قد يكون، في حالات كثيرة، دليلا ومؤشرا على أن “شيئا ما” يجري خارج قواعد التنافس الشريف، يرصده أعوان الداخلية و”يصمت” عنه وزيرها!!!
هنا بالضبط يصبح الصمت أخطر من الفعل نفسه، لأنه يبعث رسالة مدمّرة إلى المواطنين: أن أصواتكم ليست هي التي تحسم، وإنما أدوات أخرى تعرفها تلك الطينة من المرشحين جيدا، وتعرفها الأحزاب جيدا، وتعرفها جهات أخرى أيضا على رأسها وزارة الداخلية…
بهذا المنطق، تحولت التزكية الحزبية، التي يفترض أن تكون تتويجا لمسار من الالتزام والنضال والكفاءة، إلى ما يشبه سوقا سياسية مفتوحة، تُمنح فيها الأفضلية لمن يملك النفوذ المحلي، أو القدرة المالية كأساس لخوض الانتخابات، وليس لمن يملك بالضرورة المشروع أو الرصيد الأخلاقي أو المؤهلات السياسية المطلوبة. ولم تعد بعض الأحزاب تخفي ذلك حتى في خطابها الداخلي، حين تبرر اختياراتها بكون المرشح المعني “هو الأقدر على الفوز”، وكأن الحزب لم يعد مؤسسة لتأطير المواطنين، بل مجرد آلية انتخابية هدفها الأساسي جمع المقاعد.
والأخطر أن هذا الانزلاق لا يقف عند حدود التزكيات، بل إلى ما يسميه المغاربة، بدقة ساخرة، “الحريݣ السياسي”. فالمشهد الحزبي، كلما اقتربت الانتخابات، يتحول إلى ما يشبه محطة عبور كبرى، ينتقل فيها المنتخبون والمرشحون من حزب إلى آخر، ويغيرون “معاطفهم” السياسية كما لو كانوا يبدلون قمصانا موسمية، دون أن يكلّف أحد نفسه عناء تفسير هذا التغيير الكاريكاتوري، أو تبريره سياسيا أو فكريا!!، وفي تحدّ ومعاكسة لكل التوجيهات والأوامر الملكية.
التخليق السياسي لا يكون بالخطب. التخليق يبدأ عندما يشعر المرشح أن هناك دولة تراقب، وتحاسب، وتمنع، وتعاقب… فإذا كان رئيس الدولة يتطلع، بحق، إلى انتخابات تجعل من استحقاق شتنبر 2026 محطة تأسيسية في مسار مغرب سياسي جديد، فإن المعركة لا تبدأ يوم الاقتراع، ولا تُحسم داخل مكاتب التصويت، إنها تبدأ الآن، من داخل الأحزاب، ومن داخل وزارة الداخلية، ومن داخل القرار السياسي، الذي يجب أن يقول بوضوح إن زمن التساهل مع الأعطاب القديمة قد انتهى…
غير أن هذا الأفق لن يكون ممكنا إذا ظلت وزارة الداخلية ترفع شعار التخليق دون أن تحوّله إلى تدخلات واضحة وحازمة، لأن مسؤولية إصلاح المشهد السياسي لا تقع على الأحزاب وحدها، بل تبدأ أيضا من الجهة، التي تشرف على قواعد اللعبة نفسها…
أما إذا استمرت الأمور كما هي اليوم، فإن الخطر لا يكمن فقط في أن تكون انتخابات 2026 إعادة مكرّرة لاختلالات 2021، التي أشرف عليها عبد الوافي لفتيت نفسه وأُثير حولها كثير من الجدل والغبار والفضائح، بل سيتجاوز ذلك إلى ما هو أخطر بكثير: أن يترسخ لدى المغاربة شعور مرير بأن السياسة لم تتغير، وأن الأحزاب لم تتغير، وأن كل حديث عن التخليق في ظل التناقض الصارخ بين الخطاب والواقع، هو بمثابة شكل من أشكال “العصيان المقنع” لإرادة الإصلاح التي يقودها الملك، ولفلسفة الإعداد السياسي والمؤسساتي لمغرب الغد، بما يليق بدولة تتأهب لمرحلة جديدة في ظل ولي العهد مولاي الحسن الثالث…