الانتفاضة/ جميلة ناصف
في خطوة تحمل أبعادا مؤسساتية ورمزية تعكس استمرار تقاليد الدولة المغربية في إعداد ولي العهد لتحمل المسؤوليات الكبرى المرتبطة بتدبير شؤون الدولة ومؤسساتها الاستراتيجية، تفضل صاحب الجلالة الملك محمد السادس، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، يومه السبت 2 ماي، بتعيين صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن منسقا لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية.
ويأتي هذا التعيين في سياق يعكس العناية الخاصة التي يوليها الملك محمد السادس للمؤسسة العسكرية باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لاستقرار الدولة المغربية، ليس فقط في بعدها الدفاعي والأمني، بل كذلك من خلال أدوارها الإنسانية والاجتماعية والتنموية التي تضطلع بها في مختلف الظروف. كما ينظر إلى هذه الخطوة باعتبارها امتداداً لمسار تاريخي راسخ داخل المؤسسة الملكية المغربية، يقوم على إشراك ولي العهد تدريجياً في عدد من المسؤوليات الكبرى، بما يضمن استمرارية الدولة واستقرار مؤسساتها.
وأوضح بلاغ للديوان الملكي أن الملك محمد السادس سبق له أن تولى، عندما كان ولياً للعهد، مهمة تنسيق مكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية منذ سنة 1985، وذلك بتعيين من والده الراحل الحسن الثاني، في تجربة شكلت محطة مهمة في مساره قبل اعتلائه العرش. ويعكس استحضار هذا المعطى التاريخي الطابع المؤسساتي لهذا القرار، باعتباره جزء من تقاليد الدولة المغربية في تكوين ولي العهد وإشراكه في دواليب المؤسسات السيادية الكبرى.
ويرى متابعون أن تعيين الأمير مولاي الحسن في هذا المنصب يحمل دلالات متعددة، من أبرزها تعزيز حضوره داخل المؤسسة العسكرية المغربية، التي تعد من أكثر مؤسسات الدولة تنظيما واستمرارية، إضافة إلى إكسابه تجربة ميدانية وإدارية في تدبير الملفات المرتبطة بالقوات المسلحة الملكية، سواء على المستوى التنظيمي أو الاستراتيجي. كما يندرج هذا التعيين ضمن مسار التدرج في تحمل المسؤوليات، الذي يميز النظام المؤسساتي المغربي في إعداد ولي العهد لمهام مستقبلية ذات طبيعة سيادية.
وتحتل القوات المسلحة الملكية مكانة محورية داخل الدولة المغربية، نظرا للأدوار المتعددة التي تقوم بها في حماية الوحدة الترابية للمملكة والدفاع عن أمنها واستقرارها، إلى جانب مساهماتها المتواصلة في مجالات الإغاثة والتدخل الإنساني ومواجهة الكوارث الطبيعية، فضلا عن مشاركتها في عدد من المهام ذات الطابع الاجتماعي والتنموي. وخلال السنوات الأخيرة، عززت المؤسسة العسكرية المغربية حضورها على مستويات متعددة، سواء عبر تحديث قدراتها وتجهيزاتها أو من خلال توسيع أدوارها في مجالات الدعم الإنساني والطبي واللوجستي.
كما يبرز بلاغ الديوان الملكي البعد القيمي الذي ترتكز عليه القوات المسلحة الملكية، من خلال التأكيد على مبادئ الكفاءة والانضباط والاستقامة وروح المسؤولية، وهي القيم التي تعتبر جزء من الهوية المؤسسية للمؤسسة العسكرية المغربية. ويأتي هذا التأكيد في سياق الحرص على إبراز طبيعة العلاقة التي تجمع القوات المسلحة بالعرش، القائمة على الوفاء والالتزام الدائم بشعار المملكة الخالد: “الله، الوطن، الملك”.
ويحمل هذا القرار أيضا بعدا رمزيا يرتبط باستمرارية الدولة المغربية ومؤسساتها، حيث يعكس أسلوبا قائما على التدرج والاستمرارية في تدبير الشأن العام، مع الحفاظ على التقاليد الدستورية والمؤسساتية التي تميز النظام المغربي. كما ينظر إليه باعتباره مؤشرا على الثقة التي يحظى بها ولي العهد الأمير مولاي الحسن داخل المؤسسة الملكية، وعلى انخراطه المتزايد في عدد من الأنشطة والمهام الرسمية ذات الطابع الوطني والاستراتيجي.
ومنذ سنوات، يشارك الأمير مولاي الحسن في عدد من الأنشطة الرسمية والدبلوماسية والعسكرية إلى جانب الملك محمد السادس، سواء داخل المغرب أو خارجه، في إطار مسار تدريجي يهدف إلى تعزيز خبرته السياسية والمؤسساتية. وقد ظهر ولي العهد في مناسبات وطنية وعسكرية متعددة، ما يعكس حضوره المتنامي داخل المشهد المؤسساتي المغربي واستعداده لتحمل مسؤوليات أكبر مستقبلا.
ويعتبر عدد من المراقبين أن هذا التعيين يندرج ضمن رؤية شاملة تهدف إلى ضمان استمرارية المؤسسات الكبرى للدولة المغربية وفق مقاربة قائمة على التكوين التدريجي والخبرة الميدانية، خاصة في المؤسسات ذات الطابع السيادي. كما يعكس حرص المؤسسة الملكية على الحفاظ على التوازن بين استمرارية التقاليد السياسية المغربية ومواكبة التحولات الحديثة التي تعرفها الدولة ومؤسساتها.
وفي المجمل، فإن تعيين الأمير مولاي الحسن منسقا لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية لا ينظر إليه فقط كإجراء إداري أو بروتوكولي، بل كخطوة ذات أبعاد استراتيجية ورمزية، تعكس استمرارية الدولة المغربية، وتؤكد المكانة المحورية للمؤسسة العسكرية في حماية استقرار المملكة ووحدتها، تحت القيادة المباشرة للملك محمد السادس القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية.
التعليقات مغلقة.