وفاة علي الفاسي الفهري..شخصية طبعت قطاعات استراتيجية في المغرب

0

الانتفاضة/ أكرام

توفي المدير العام الاسبق للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، علي الفاسي الفهري، عن عمر ناهز واحدا وسبعين عاما، بعد مسار طويل حافل بالمسؤوليات الكبرى في عدد من المؤسسات العمومية والقطاعات الاستراتيجية في المغرب، وذلك بعد معاناة مع المرض. ويعد الراحل من الشخصيات التي طبعت مرحلة مهمة من تدبير المرافق الحيوية في البلاد، سواء في مجال الطاقة والماء أو في مجالات الرياضة والاستثمار الصناعي، حيث راكم تجربة واسعة جعلته حاضرا في مواقع القرار لسنوات طويلة.

ينحدر علي الفاسي الفهري من مدينة القنيطرة، حيث ولد وترعرع في بيئة مكنت له لاحقا من مسار دراسي ومهني متميز. وقد تلقى تكوينا عاليا أهله لولوج مناصب المسؤولية في سن مبكرة نسبيا، ليبدأ مساره في قطاعات تقنية وإدارية مرتبطة بالبنيات التحتية والتدبير العمومي، وهو ما جعله يكتسب خبرة تراكمية في مجالات استراتيجية ترتبط مباشرة بالحياة اليومية للمواطنين وبالاقتصاد الوطني.

برز اسم الفقيد بشكل واضح عندما تولى مسؤولية تدبير المكتب الوطني للكهرباء، قبل أن يشهد هذا القطاع تحولات مؤسساتية كبرى انتهت بدمج قطاعي الماء والكهرباء في إطار المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب. خلال فترة قيادته لهذه المؤسسة، انصب اهتمامه على تعزيز القدرات الإنتاجية وتحسين شبكات التوزيع وتوسيع الولوج إلى الخدمات الأساسية في مختلف جهات المملكة، خصوصا في المناطق القروية والنائية التي كانت تعاني من ضعف البنيات التحتية. كما عمل على مواكبة النمو الديمغرافي والعمراني الذي عرفته البلاد عبر إطلاق مشاريع كبرى لتأمين التزود بالكهرباء والماء.

عرف عنه كذلك اهتمامه بتحديث أساليب التدبير داخل المؤسسات التي أشرف عليها، حيث ساهم في إدخال مقاربات جديدة تقوم على النجاعة والفعالية وربط المسؤولية بالمحاسبة. وقد شكلت مرحلة قيادته للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب مرحلة مفصلية، تميزت بتوسيع الاستثمارات في البنية التحتية للطاقة، وتعزيز الشراكات مع فاعلين دوليين في مجالات التمويل والتقنيات الحديثة، إضافة إلى الانفتاح على مشاريع الطاقات المتجددة التي بدأت تفرض نفسها كخيار استراتيجي في المغرب.

وخارج المجال الطاقي، شغل الراحل منصب رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وهي محطة بارزة في مساره المهني، حيث تولى تدبير شؤون كرة القدم الوطنية في فترة عرفت تحديات تنظيمية ورياضية مهمة. خلال هذه المرحلة، عمل على إعادة هيكلة بعض جوانب التسيير داخل المنظومة الكروية، كما ساهم في تعزيز الحضور المغربي في المحافل القارية والدولية. وقد كانت تلك الفترة موضوع نقاش واسع بين المتتبعين، لكنها شكلت جزءا من مسار تطور كرة القدم الوطنية نحو مزيد من الاحترافية.

كما تقلد مسؤوليات أخرى في قطاعات مرتبطة بالصناعة والاستثمار، من بينها رئاسته لمجلس المراقبة للوكالة المغربية للطاقة المستدامة، وهي مؤسسة لعبت دورا محوريا في تطوير مشاريع الطاقة الشمسية والريحية بالمغرب. من خلال هذا الموقع، ساهم في تتبع مشاريع استراتيجية كبرى تهدف إلى تقليص التبعية الطاقية وتعزيز استقلالية البلاد في مجال الطاقة النظيفة. وقد تزامن ذلك مع توجه وطني نحو الاستثمار في الطاقات المتجددة باعتبارها رافعة أساسية للتنمية المستدامة.

وشغل أيضا منصب رئيس مجلس إدارة مجموعة لافارج هولسيم بالمغرب، حيث ساهم في مواكبة دينامية قطاع مواد البناء الذي عرف تطورا كبيرا خلال السنوات الماضية. وقد ارتبط هذا الدور بتدبير ملفات معقدة تتعلق بالإنتاج الصناعي والاستثمار والتوازن بين متطلبات السوق المحلية والدولية، في سياق اقتصادي يتميز بالتغير السريع والمنافسة القوية.

تميز مسار الفقيد كذلك بحضوره داخل عدد من الهيئات الوطنية والدولية، حيث كان فاعلا في نقاشات مرتبطة بالتنمية الاقتصادية والبنيات التحتية والطاقات. وقد مكنه هذا الحضور من بناء شبكة علاقات مهنية واسعة، ساعدته على الإسهام في مشاريع كبرى ذات بعد استراتيجي، سواء داخل المغرب أو خارجه. كما كان معروفا بأسلوبه التقني في التدبير واعتماده على مقاربة تقوم على التخطيط طويل المدى.

على مستوى شخصيته المهنية، كان الراحل يوصف بأنه رجل تدبير هادئ يميل إلى العمل التقني أكثر من الظهور الإعلامي، حيث ركز في مختلف مسؤولياته على النتائج الملموسة وعلى تحسين أداء المؤسسات التي قادها. وقد انعكس ذلك في عدد من المشاريع التي تم إطلاقها أو استكمالها خلال فترة إشرافه على قطاعات حساسة، خصوصا في ما يتعلق بتعميم الخدمات الأساسية وربط المدن والقرى بالشبكات الوطنية للكهرباء والماء.

رحيل علي الفاسي الفهري يمثل خسارة لشخصية ساهمت في تدبير ملفات استراتيجية داخل المغرب، حيث ارتبط اسمه بمرحلة من التحولات الكبرى في مجالات الطاقة والبنية التحتية والرياضة. وقد ترك بصمة واضحة في كل موقع تحمل فيه المسؤولية، سواء من خلال المشاريع التي أشرف عليها أو من خلال المقاربات التدبيرية التي دافع عنها.

وقد شكل خبر وفاته صدمة لدى عدد من الفاعلين في مجالات الاقتصاد والرياضة والطاقة، بالنظر إلى المكانة التي كان يحتلها داخل المشهد المؤسساتي. كما استحضر كثيرون مساره الطويل الذي جمع بين التكوين التقني العالي والخبرة الإدارية الواسعة، ما جعله من بين الأطر التي ساهمت في تطوير قطاعات حيوية في البلاد.

وبينما يطوى اليوم فصل من حياة رجل شغل مواقع مسؤولية متعددة، يبقى أثره حاضرا في عدد من المشاريع والبنيات التي لا تزال قائمة وتخدم المواطنين. كما يبقى اسمه مرتبطا بمرحلة من تاريخ المؤسسات العمومية في المغرب، حيث لعب دورا في مواكبة التحولات التي عرفتها البلاد خلال العقود الأخيرة، سواء على مستوى البنيات التحتية أو على مستوى تحديث أساليب التدبير.

رحل علي الفاسي الفهري بعد مسار مهني طويل امتد لسنوات، جمع فيه بين المسؤولية التقنية والإدارية والرياضية والصناعية، تاركا وراءه إرثا مؤسساتيا يتجاوز الأشخاص ليصبح جزءا من ذاكرة القطاعات التي ساهم في تطويرها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.