مراكش على صفيح قانوني ساخن: حكم نهائي ضد منتخب جماعي والسلطات تلتزم الصمت

0

الانتفاضة

عاد ملف المستشار الجماعي بجماعة السويهلة، المسمى اختصاراً “ع.س”، المنتمي إلى حزب الأصالة والمعاصرة، إلى واجهة النقاش المحلي والسياسي، بعد استمرار المعني بالأمر في مزاولة مهامه الانتدابية، رغم صدور حكم استئنافي نهائي يدينه في أفعال جنحية ترتبط بـ”اقتلاع أشجار مملوكة للغير” و”المشاركة في خيانة الأمانة” و”إخفاء شيء متحصل عليه من جنحة”.

القضية لم تعد مجرد نزاع قضائي عابر، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى احترام مبدأ المساواة أمام القانون، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتفعيل مقتضيات فقدان الأهلية الانتخابية في مواجهة منتخبين نافذين سياسياً.

حكم نهائي… وأسئلة معلقة

القرار الاستئنافي الصادر بتاريخ 08 يوليوز 2025 قضى بتأييد إدانة المتهمين “ع.س” و”م.م”، مع تعديل العقوبة إلى ستة أشهر حبساً موقوف التنفيذ وغرامة مالية نافذة قدرها 1500 درهم لكل واحد منهما.

الحكم، من الناحية القانونية، أصبح نهائياً ويحوز قوة الشيء المقضي به، ما أعاد إلى الواجهة سؤالاً بالغ الحساسية:

هل يترتب عن هذه الإدانة فقدان الأهلية الانتخابية بشكل تلقائي؟
أم أن الأمر سيظل معلقاً إلى حين توفر “الإرادة السياسية” لتفعيل القانون؟

المادة 7… النص الذي يضع الجميع أمام المسؤولية

القراءة القانونية الدقيقة للنازلة تقود مباشرة إلى المادة 7 من القانون رقم 57.11 المتعلق باللوائح الانتخابية العامة، وخاصة الفقرة (ب)، التي تنص صراحة على فقدان الأهلية بالنسبة لكل من صدر في حقه:
“حكم بعقوبة حبس مع إيقاف التنفيذ تتجاوز ثلاثة أشهر، من أجل جرائم من بينها خيانة الأمانة.”

وهنا تكمن النقطة الجوهرية التي لا تبدو قابلة لكثير من التأويل.

فالإدانة شملت جنحة “المشاركة في خيانة الأمانة”، وهي جريمة واردة حرفياً ضمن الجرائم المحددة في الفقرة (ب)، كما أن العقوبة المحكوم بها بلغت ستة أشهر حبسا موقوف التنفيذ، أي أنها تتجاوز السقف المحدد قانوناً والمتمثل في ثلاثة أشهر.

بمعنى أوضح:
الشروط القانونية لفقدان الأهلية الانتخابية تبدو، من حيث الظاهر، متوفرة بشكل كامل.

محاولة الالتفاف على النص؟

بعض القراءات تحاول الدفع نحو تطبيق الفقرة (د) من المادة نفسها، غير أن هذا التوجه يثير جدلاً قانونياً واضحاً، لأن الفقرة (د) تتعلق بالجرائم غير المنصوص عليها في الفقرتين (ب) و(ج).

أما جريمة خيانة الأمانة فهي واردة صراحة ضمن الفقرة (ب)، ما يجعل أي محاولة لنقل الملف إلى مقتضيات أخرى أقرب إلى التأويل السياسي للنصوص أكثر من كونه اجتهاداً قانونياً سليماً.

خمس سنوات من الحرمان الانتخابي

المادة 8 من نفس القانون تبدو أكثر وضوحاً، إذ تنص على أن الأشخاص المحكوم عليهم في الحالات المشار إليها لا يمكنهم استعادة أهليتهم الانتخابية إلا بعد مرور خمس سنوات، إذا تعلق الأمر بعقوبة موقوفة التنفيذ، ابتداءً من التاريخ الذي يصبح فيه الحكم نهائياً.

أي أن الأثر القانوني لا يرتبط فقط بالعضوية الحالية، بل يمتد إلى المستقبل الانتخابي للمعني بالأمر.

القانون التنظيمي للجماعات يدخل على الخط

القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات لم يترك بدوره مجالاً كبيراً للغموض.

فالمادة 20 تعتبر أن الإدانة بحكم نهائي ينتج عنه عدم الأهلية الانتخابية تضع المنتخب في حالة انقطاع عن مزاولة مهامه، بينما تنص المادة 21 على ترتيب آثار العزل أو الإقالة في مثل هذه الحالات.

أما المادة 9، فتعتبر أن العضو المدان بحكم نهائي ترتب عنه عدم الأهلية لا يدخل ضمن الأعضاء المزاولين لمهامهم.

بمعنى أن الربط بين فقدان الأهلية وفقدان الصفة التمثيلية قائم بشكل مباشر داخل النصوص التنظيمية المؤطرة للجماعات الترابية.

هنا يبدأ السؤال السياسي

إذا كانت النصوص واضحة نسبياً، فلماذا لا تزال الإجراءات معلقة؟

ولماذا تتحرك السلطات بسرعة قياسية في ملفات تخص منتخبين من اتجاهات معينة، بينما يسود التريث والصمت في ملفات أخرى؟

هذا السؤال هو الذي يؤرق اليوم جزءاً من الرأي العام المحلي بمراكش، خصوصاً في ظل تكرار الحديث عن “ازدواجية المعايير” في تفعيل مساطر العزل والتجريد من العضوية.

فالرهان لم يعد مرتبطاً بشخص منتخب واحد، بل بصورة المؤسسات نفسها، ومدى قدرتها على إقناع المواطنين بأن القانون يطبق على الجميع دون استثناء أو حسابات حزبية.

أخطر ما في الملف…

أخطر ما في هذه القضية ليس الحكم القضائي في حد ذاته، بل الرسالة التي قد تصل إلى الرأي العام إذا استمرت حالة الجمود.

لأن أي تأخير غير مبرر في تفعيل المقتضيات القانونية قد يُفهم باعتباره تكريساً لمنطق النفوذ السياسي، وإضعافاً لثقة المواطنين في مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

وفي المقابل، فإن تفعيل القانون وفق النصوص الجاري بها العمل من شأنه أن يبعث برسالة معاكسة مفادها أن المؤسسات لا تميز بين منتخب وآخر، وأن الأحكام القضائية النهائية ليست مجرد وثائق توضع على الرفوف.

بين القانون والسياسة… من ينتصر؟

اليوم، تقف هذه النازلة عند تقاطع حساس بين القضاء والسياسة والإدارة الترابية.

فإما أن يتم تفعيل المقتضيات القانونية كما هي، بما ينسجم مع منطوق الحكم النهائي والنصوص التنظيمية ذات الصلة، وإما أن يتحول الملف إلى عنوان جديد للنقاش حول الانتقائية في تطبيق القانون.

وفي انتظار موقف رسمي واضح، يبقى السؤال الذي يتردد بقوة داخل الأوساط المحلية بمراكش:

هل نحن أمام دولة تُفعّل القانون بمنطق المؤسسات؟ أم أمام واقع تُحدد فيه الحسابات السياسية توقيت تنفيذ النصوص؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.