الانتفاضة / فاطمة الزهراء صابر
على رصيف الزمن السياسي، وبمجرد أن تلوح في الأفق بوادر الاستحقاقات التشريعية، يبدأ مشهد مألوف إعادة نفسه، ألا وهو ” الاستيقاظ المفاجئ من السبات العميق ومغازلة الشارع، وطرق الأبواب “، حيث تنفض المكاتب المكيفة غبارها ويجاب على الاتصالات التي طالما كانت معلقة بدون إجابة، ليطل علينا ” فرسان المواسم ” من جديد في مشهد يشبه البعث السياسي، وفي استعراض لسياسة القرب التي لا تولد إلا مع اقتراب موعد الصناديق، فهل هي صحوة ضمير متأخرة، أم أنها مجرد مناورة تكتيكية في فن البقاء السياسي؟ .
على الرغم من أن الموعد الرسمي للاستحقاقات التشريعية المقبلة لا تزال تفصلنا عنه مدة زمنية مهمة ” 23 شتنبر 2026″، إلا أن ملامح السباق الانتخابي تظهر بشكل مبكر، ف “الماكينات الانتخابية” بدأت محركاتها في الدوران داخل العديد من الدوائر، و(ترمومتر) الحراك السياسي بدأ يسجل درجات حرارة مرتفعة في مشهد يتكرر مع كل دورة، معلنة عن انطلاق موسم التحرك المبكر لمنتخبين وبرلمانيين غابوا عن الأنظار طويلا، عادوا فجأة إلى الواجهة، بعد فترات من الغياب النسبي، في مشهد يثير أكثر من تساؤل حول توقيت هذا النشاط المفاجئ وأهدافه الحقيقية…
في عدد من المناطق، أصبح حضور المنتخبين أكثر كثافة: “زيارات ميدانية، لقاءات تواصلية، مكاتب تفتح في وجه المواطنين فجأة بعد أن كانت مغلقة دائما، شوارع وطرقات تصلح وتعبد بعد أن أصبحت مسابح وحفر كادت أن تنافس بئر كولا، صور وعودة الصور التذكارية و” السيلفيات” مع المواطنين البسطاء، ووعود بحل مشاكل محلية طال انتظارها. ظاهريا يبدو الأمر وكأنه تفاعل إيجابي مع انتظارات الساكنة، لكن في العمق يرى متتبعون أن هذه الدينامية مرتبطة أكثر بإعادة بناء القاعدة الانتخابية استعدادا للمحطات القادمة.
تطرح هذه التحركات مفارقة صارخة أتت بعد سنوات من ضعف التواصل والغياب عن قضايا محلية ملحة، فعودة الدفء إلى علاقة المنتخب بالمواطن بعد سنوات من الجفاء تضعنا أمام سؤال قديم يتجدد مع كل دورة انتخابية، هل يتحرك المنتخب بدافع المسؤولية، أم بدافع الحاجة إلى تجديد الشرعية عبر صناديق الاقتراع؟.
سياسيا تعكس هذه الظاهرة إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة الممارسة الحزبية، فبدل الاشتغال المستمر على ملفات المواطنين، يتحول العمل الحزبي من نضال يومي مستمر إلى حملات ظرفية تخفت أنوارها بمجرد إعلان النتائج، مما يعمق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات.
خلف ستارة بناء الهوية :
إلى جانب التحركات الميدانية، تبرز في الأفق ظاهرتان:
1- الترحال الغير المعلن: على رغم وجود قوانين وآليات دستورية لمحاربة هذه السلوكيات السياسية…… تنتعش ظاهرة الترحال السياسي والحزبي والتحركات الخفيفة لبعض المنتخبين لإعادة التموضع حزبيا، بحثا عن ” مظلات سياسية” تضمن لهم البقاء في المشهد، فيلجأ المنتخب للترحال الصامت، فهو يظل عضوا في حزبه ورقيا، لكنه يعمل لصالح حزب آخر فعليا، لينجو من مقصلة العزل القانوني، فالقانون ينص على أن أي منتخب يتخلى عن الحزب الذي ترشح باسمه خلال مدة الانتداب، يجرد تلقائيا من مقعده. وهذا ما يحول الأحزاب من مؤسسات إيديولوجية إلى مجرد دكاكين انتخابية.
2- غزو الفضاء الرقمي: تحولت منصات facebook و tiktok إلى غرف عمليات، حيث يتسابق المنتخبون لصناعة “بروفايلات” رقمية توحي بالنشاط الدائم، للتأثير على الناخبين وكسب أصواتهم. وذلك من خلال استخدام جيوش إلكترونية، لتلميع المنتخبين عبر الفضاء الرقمي واستخدام استراتيجيات مدروسة لخلق انطباع إيجابي زائف، أو مبالغ فيه حول أدائهم، وذلك عبر آليات تمويلية وتقنية متطورة تجعل التحول الرقمي لا يخلو من مفارقات فيصبح واجهة دعائية أكثر منه وسيلة للتواصل الحقيقي، فمثلا نجد منتخبا ينشر فيديوهات “تيك توك” بإنتاج احترافي وموسيقى حماسية تظهره كمنقذ للمدينة، بينما في الواقع الدائرة التي يمثلها تعاني من أبسط الحقوق مثل الإنارة العمومية أو تبليط الأزقة. هذا ما يسمى بالسياسة الافتراضية، التي تنفصل عن معاناة المواطن الحقيقية. لكنها غالبا ما تسقط في فخ الاستعراض على حساب النقاش الحقيقي حول السياسات العمومية. وتبقى عمليات التلميع الرقمي محاولة لخلق شعبية زائفة وعزل أصوات المعارضة الحقيقية.
أزمة الثقة: حين يصبح الصوت هو السلعة الوحيدة
إن هذا الاستيقاظ الموسمي يكرس إشكالية أخلاقية كبرى، وهي “تميع الممارسة السياسية”. فعندما يربط الفاعل السياسي حضوره بموعد الاقتراع فقط، فإنه يرسل رسالة سلبية مفادها أن صوت الناخب هو السلعة الوحيدة المطلوبة في السوق السياسي. هذا النمط يعمق الفجوة بين الفرد والمؤسسات، ويجعل من العملية الانتخابية مجرد محطة ظرفية بدل أن تكون استمرارا لتعاقد أخلاقي وسياسي يمتد طيلة سنوات الولاية الانتدابية.
لا شك أن تواصل المنتخب مع دائرته أمر حيوي للديمقراطية، لكن الإشكال الحقيقي يكمن في الصدق والاستمرارية، فصخب التعبئة المتأخرة وهوس إعادة التموضع، يغيب عن أذهان البعض أن صناديق الاقتراع لها ذاكرة قوية، وأن ذكاء المغاربة يتجاوز بكثير حيل الترحال والماكياج الرقمي والإصلاحات السطحية. إن المغرب اليوم لا يحتاج إلى “عدائيين” في المسافات الانتخابية القصيرة، بل إلى رجال دولة يؤمنون بأن المسؤولية التزام أخلاقي يومي لا ينتهي بظهور النتائج.