توظيف ذوي الإعاقة: بين ضرورة الرفع من الحصيص المالي وإلزامية الحكامة الإدارية” .

0

الانتفاضة

لم يعد تنظيم المباراة الموحدة للأشخاص في وضعية إعاقة يحقق الغاية التي أحدث من أجلها، في ظل اختلالات بنيوية تؤثر بشكل مباشر على مبدأ تكافؤ الفرص. فمحدودية المناصب المالية المتبارى حولها تجعل التنافس شديدا ومحدود الأفق، وهو ما يستدعي توجيه هذه الفرص بشكل عادل نحو الفئة المستهدفة أصلا: الخريجون من حاملي الشهادات العليا في وضعية إعاقة.

غير أن الواقع يكشف عن ممارسات تفرغ هذه المباراة من مضمونها الاجتماعي، من بينها السماح للموظفين باجتيازها لأغراض الترقية، رغم أنها أقرت أساسا كآلية لمحاربة البطالة وليس كمسار للترقي الإداري. وإلى جانب ذلك، تتزايد الشكاوى بشأن قبول ترشيحات تستند إلى شهادات إعاقة غير دقيقة أو مشكوك في صحتها، مما يفتح الباب أمام استفادة غير مستحقة ويقوض مصداقية العملية برمتها.

وفي سياق متصل، تبرز وضعية فئة خاصة من الأشخاص في وضعية إعاقة، لاسيما كبار السن، وكذا الذين اجتازوا هذه المباراة لعدة مرات دون أن يتمكنوا من النجاح، خصوصا في الاختبارات الشفوية التي تشكل عائقا متكررا أمامهم. إن استمرار هذا الوضع يؤدي إلى إقصاء تراكمي لهذه الفئة، رغم توفرها على المؤهلات العلمية، وهو ما يفرض التفكير في حلول منصفة تراعي خصوصياتها.

إن تداخل هذه العوامل يؤدي بشكل مباشر إلى تقليص فرص النجاح أمام الخريجين الفعليين من الأشخاص في وضعية إعاقة، ويحول دون تحقيق الحد الأدنى من العدالة في الولوج إلى الوظيفة العمومية، مما يستدعي تدخلا حازما لإعادة ضبط شروط هذه المباراة بما ينسجم مع أهدافها الأصلية.

وفي هذا الإطار، يبرز اعتماد آلية الفحص المضاد لشهادات الإعاقة قبل قبول الترشيحات كإجراء أساسي لضمان النزاهة، من خلال التحقق الدقيق من صحة الوثائق واستبعاد الحالات غير المستحقة منذ المرحلة القبلية. كما يظل من الضروري حصر الاستفادة في غير الموظفين، بما يعيد توجيه هذه المباراة نحو وظيفتها الحقيقية كرافعة للإدماج المهني ومحاربة البطالة. وبالموازاة مع ذلك، يُقترح إحداث مباراة موحدة خاصة لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة من كبار السن، وكذا الذين استنفدوا فرصهم في اجتياز هذه المباراة دون نجاح، بما يضمن عدم ضياع فرصهم في الولوج إلى الوظيفة العمومية.
” وعلاوة على هذه الضوابط التنظيمية، يبرز الرفع من الحصيص المخصص للمباراة الموحدة من 200 إلى 1000 منصب مالي كإجراء استعجالي لا يقبل التأجيل؛ إذ إن الرفع من سقف المناصب هو الكفيل بامتصاص التراكم الحاصل في أعداد الخريجين الذين ظلوا لسنوات على قوائم الانتظار. إن هذا الانتقال الرقمي النوعي سيسهم في تخفيف الضغط عن هذه الفئة، ويحول دون تحول المباراة إلى مجرد ‘مسكن اجتماعي’ محدود الأثر، ليجعل منها آلية حقيقية قادرة على استيعاب مختلف التخصصات والكفاءات العليا التي يزخر بها هذا الملف.”
ورغم أهمية هذه الإجراءات، فإن المباراة الموحدة تظل في جوهرها حلًا مؤقتًا لا يفضي، بمفرده، إلى القضاء على البطالة في صفوف الأشخاص في وضعية إعاقة من حاملي الشهادات العليا. فالحل الحقيقي يكمن في التفعيل الصارم للمقتضيات القانونية، من خلال تخصيص نسبة 7% من المناصب المالية في القطاع العام، وتفعيل نسبة 5% في القطاع الخاص، بما يضمن إدماجا فعليا ومستداما، وينقل هذا الملف من منطق التدبير الظرفي إلى سياسة عمومية قائمة على الحقوق وتكافؤ الفرص.

إن إصلاح هذه الاختلالات لم يعد خيارا، بل ضرورة ملحة لضمان تكافؤ الفرص، وصون حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، وإعادة الثقة في آليات التوظيف العمومي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.