الانتفاضة/ ابراهيم اكرام
في سياق التحولات الإعلامية والاجتماعية المتسارعة، لم يعد النقاش العمومي يُبنى فقط داخل المؤسسات الأكاديمية أو الفضاءات الفكرية الرصينة، بل أصبح رهينًا أيضًا بما تفرزه المنصات الرقمية من أصوات متعددة. غير أن الإشكال العميق لا يكمن في وجود محتوى سطحي أو ما يُصطلح عليه بـ”التفاهة”، بل في طبيعة التفاعل المؤسساتي معه، خاصة حين يجد هذا النوع من الخطاب طريقه إلى دوائر القرار والتنفيذ والتشريع.
إن استقبال بعض المسؤولين التنفيذيين والتشريعيين لصناع المحتوى السطحي، ومنحهم الوقت والشرعية الرمزية، يعكس خللًا بنيويًا في ترتيب الأولويات داخل الفعل العمومي. فبدل توجيه الجهود نحو احتضان الكفاءات الوطنية والمثقفين وأصحاب المشاريع الفكرية والتنموية، يتم أحيانًا تكريس منطق الاستعراض والبحث عن “الضجيج الرقمي” كبديل عن الفعل الجاد والمنتج.
من منظور علم الاجتماع السياسي، يمكن تفسير هذه الظاهرة بكون بعض الفاعلين العموميين يسعون إلى تحقيق رأسمال رمزي سريع عبر التفاعل مع شخصيات تحظى بانتشار واسع، ولو كان هذا الانتشار قائمًا على محتوى ضعيف القيمة. غير أن هذا الخيار، وإن بدا مربحًا على المدى القصير، فإنه يُضعف الثقة في المؤسسات، ويُهمّش النخب الفكرية التي تُراكم معرفة حقيقية قادرة على المساهمة في صياغة السياسات العمومية.
إن إقصاء المثقفين وأصحاب المبادرات الجادة من دوائر النقاش والتشاور، لا يعني فقط تهميش فئة اجتماعية، بل يُفقد الدولة أحد أهم مواردها الاستراتيجية: الفكر النقدي والبناء. فالتنمية لا تقوم فقط على المشاريع الاقتصادية، بل تحتاج إلى رؤية فكرية وثقافية تؤطرها، وتضمن انسجامها مع الهوية الوطنية والتوجهات الكبرى للدولة، خاصة تلك التي تنسجم مع التوجيهات الملكية السامية.
وعليه، فإن إعادة الاعتبار للكفاءة والمعرفة داخل الفضاء العمومي، يتطلب إرادة سياسية واضحة لإعادة ترتيب الأولويات، وفتح الأبواب أمام النخب القادرة على الإسهام في البناء، بدل تكريس منطق الإقصاء غير المعلن. كما يستدعي ذلك تطوير معايير موضوعية للتفاعل المؤسساتي مع الفاعلين المجتمعيين، قائمة على القيمة المضافة لا على عدد المتابعين أو حجم “الضجيج”.
لا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي دون مراجعة عميقة لآليات التواصل بين المؤسسات والمجتمع. فحين تُفتح الأبواب لأصحاب التفاهة وتُغلق في وجه أصحاب الفكر، فإن الخلل لا يكون في المجتمع وحده، بل في البوصلة التي توجه الفعل العمومي.
التعليقات مغلقة.