الانتفاضة // رشيد البلغيتي
بدأتُ نهاري في الخميسات، في مطعم “الفن السابع”.
سألتُ صاحب المحل عن الاسم الشعبي لمقهاه المتقشف، ابتسم وقال: “مول البيصارة”.
جلستُ إلى بيصارتي، أُمَلِّحُها على مهل، وأرفع بصري إلى لقالق تحط فوق السقف المنحدر للثانوية.
فتحت الزيت البلدية في بيصارتي نوافذ قديمة: عطلي الصيفية أنا وأخي مولاي بلغيث، في تلك الفيلا الكولونيالية بمدينة الخميسات، التي كان يملكها عمي يوسف، شفاه الله، يوم كان صائغ ذهب في قيصارية واد الذهب، في أواخر الثمانينيات.
تذكّرتُ مقالب محمد وعمر، وابتسامة لالة نزهة الصافية، وكرم مَّامَّا، والدة عمي يوسف، أطيب نساء الأرض.
لا شيء غريب في الخميسات هذا الصباح، سوى سيارة فورد موستانغ، واقفة أمام المحل، عارية السقف، بلونها الأصفر الفاقع… تستفز شظف زبناء مول البيصارة، وهم يغمسون الخبز في حساء الفول، ويذرون عليه الفلفل الأحمر والسودانية، كأنهم يضيفون إلى حياتهم قرصة حر أكبر.
أخبرني سعيد، حين التحقت بمقر الجمعية الوطنية للمحامين، أن صاحب البيصارة يجلب الفول من مصر. أحسست بشيء من الطراوة والتدميس في فمي، وهو يتقاسم معي هذه المعلومة.
بعد ذلك، أطرت رفقة محمد الحبيب بن الشيخ ورشة حول “التقاضي الاستراتيجي كآلية لحماية وتعزيز الحق في التعليم”، لفائدة محاميات ومحامين، ونساء ورجال من أسرة التعليم.
قدم الحبيب الإطار المفاهيمي للتقاضي الاستراتيجي، أما أنا، وأعوذ بالله من قول أنا، فقد تكفلت بمحور حول دور الإعلام في دعمه، وتحديث عن أهميته في الترافع على القضايا الحقوقية، والتأثير في الرأي العام، ومواكبة الملفات الاستراتيجية بما يعزز فرص تحقيق العدالة.
قلتُ للصديقات والأصدقاء في الورشة إن الإعلام هنا يكسر الجدار الرابع، تماما كما في مسرح بريشت، ويجعل الجمهور مشاركا ومعنيا وجلسات المحاكم علنية بالفعل، وجمهورها هم المواطنون في مجموع تراب الوطن.
قبلنا، تحدث قيادي صلب من النقابة الوطنية للتعليم (الإيفينو) عن المرجعيات الكونية والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، وعن ضعف الآليات القانونية وطنيا في حماية الحق المقدس في التعليم.
نسيت… بالإضافة إلى الفول، كانت الوجوه أيضا طيبة هذا الصباح في مدينة الخميسات.
دليل طيبة الناس أن اللقالق لم ترحل، رغم كل أسباب الرحيل.
التعليقات مغلقة.