الانتفاضة/ ابراهيم أكرام
في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم، يظل الصراع في منطقة الشرق الأوسط أحد أكثر القضايا تعقيدا وتشابكا، حيث تتداخل فيه الاعتبارات الدينية والسياسية والاستراتيجية بشكل يصعب فصله. وفي هذا السياق، يبرز الجدل حول طبيعة التهديدات التي تمثلها كل من إيران وإسرائيل بالنسبة للعالم العربي والإسلامي، وحول كيفية ترتيب الأولويات في التعامل معهما.
يرى كثير من المحللين أن الدولتين تنطلقان من مرجعيات إيديولوجية واضحة، تسعى كل منهما إلى ترسيخ نفوذها وفق تصورها الخاص. فإيران تعتمد على امتداداتها المذهبية لتعزيز حضورها الإقليمي، بينما تقوم إسرائيل على مشروع قومي ذي أبعاد سياسية وتاريخية معقدة، يسعى إلى تثبيت وجودها وتوسيع نفوذها في محيطها الجغرافي.
غير أن تقييم حجم الخطر الذي تمثله كل جهة يختلف باختلاف الزوايا التي ينظر منها إلى المشهد. فهناك من يعتبر أن التهديد الإسرائيلي أكثر مباشرة ووضوحا، بحكم ارتباطه بالصراع الفلسطيني واستمرار التوتر في الأراضي المحتلة، وما يترتب عن ذلك من تداعيات إنسانية وسياسية. في المقابل، ينظر إلى الدور الإيراني باعتباره أكثر تعقيدا، إذ يتخذ أشكالا غير مباشرة عبر تحالفات إقليمية وتأثيرات سياسية وثقافية.
في هذا الإطار، تبرز فكرة “ترتيب المخاطر” كمدخل لفهم المواقف المختلفة، حيث يميل البعض إلى التعامل مع ما يرونه الخطر الأكبر أولا، حتى وإن استدعى ذلك نوعاً من التعايش المرحلي مع تهديدات أخرى أقل حدة. غير أن هذا الطرح يظل محل نقاش، لأن السياسات المبنية على المفاضلة بين الأخطار قد تحمل في طياتها مخاطر مستقبلية إذا لم تضبط برؤية استراتيجية واضحة.
من جهة أخرى، فإن الصراعات في المنطقة لا يمكن اختزالها في ثنائيات حادة من قبيل “حق وباطل”، بقدر ما هي نتاج تراكمات تاريخية وتوازنات قوى ومصالح متشابكة. لذلك، فإن المقاربة الأكثر واقعية تقتضي قراءة هادئة للمشهد، تقوم على فهم دقيق لمصالح الدول العربية وأولوياتها، بعيدا عن الانفعالات أو التعميمات.
في النهاية، يبقى التحدي الحقيقي أمام العالم العربي هو بناء موقف موحد يستند إلى حماية الأمن القومي وتعزيز الاستقرار الداخلي، مع الانفتاح على حلول دبلوماسية تقلل من حدة التوترات. فالقوة الحقيقية لا تكمن فقط في تحديد الخصوم، بل في القدرة على إدارة الصراعات بحكمة، بما يخدم مصالح الشعوب ويحفظ توازن المنطقة على المدى البعيد.
التعليقات مغلقة.