الانتفاضة // د. يوسف الادريسي الحسني // رئيس الجمعية الفرنسية المغربية لحقوق الإنسان – باريس
أولا، الممثل القاطي يعجبني كممثل، له كريزما واضحة على الشاشة، ويملك حضورا فنيا لا يمكن إنكاره. وقد تابع كثير من المغاربة أعماله بإعجاب، لما يملكه من قدرة على تجسيد الأدوار بصدق. لكن ما تعرض له خلال الحوار الذي أجراه حول القضية الفلسطينية كان من الضروري أن أتوقف عنده، لا بدافع التقليل من قيمته الفنية، بل لأن ما قيل في ذلك الحوار يلامس قضية تاريخية معقدة لا تحتمل التبسيط أو الاختزال.
وبصراحة، عندما سمعت ذلك الجزء من الحوار توقفت قليلا وقلت لنفسي: هل فعلا يمكن اختزال تاريخ كامل من الألم والمعاناة في تفسير سريع أو قراءة مبتورة للواقع؟
فعندما يتحدث فنان له جمهور واسع عن قضية بحجم القضية الفلسطينية، فإن كلامه لا يبقى مجرد رأي شخصي عابر، بل يتحول إلى خطاب يؤثر في وعي المتلقي. ولهذا يصبح من حق الجمهور أيضا أن يناقش ويصحح ويعيد الأمور إلى سياقها الصحيح.
المشكلة في كثير من النقاشات المعاصرة حول فلسطين أنها تتعامل مع الواقع الحالي وكأنه بدأ فجأة، وكأن التاريخ الذي سبق هذه اللحظة يمكن القفز فوقه أو تجاهله. لكن الحقيقة أن فهم ما يجري اليوم يتطلب العودة إلى محطات مفصلية في تاريخ المنطقة، وعلى رأسها ما يعرف بـالنكبة سنة 1948، حين تم تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين من قراهم ومدنهم بعد قيام إسرائيل.
هذه الحادثة لم تكن مجرد حدث عابر في كتب التاريخ، بل كانت نقطة تحول كبرى في حياة شعب بأكمله. ملايين اللاجئين الفلسطينيين اليوم ليسوا أرقاما في تقارير سياسية، بل هم امتداد حي لتلك اللحظة التاريخية التي غيرت مصير أجيال كاملة.
ثم جاءت مرحلة أخرى لا تقل أهمية بعد حرب 1967، حين دخل الصراع مرحلة جديدة عنوانها الاحتلال المباشر لأراض فلسطينية واسعة. ومنذ تلك اللحظة أصبح الواقع السياسي أكثر تعقيدا، وأصبحت حياة الفلسطينيين مرتبطة يوميا بتبعات هذا الوضع.
ولهذا فإن الحديث عن الأحداث المعاصرة دون العودة إلى هذا السياق التاريخي يشبه محاولة فهم نهاية فيلم دون مشاهدة بدايته.
وكثيرا ما يتم الحديث عن الانتفاضات الفلسطينية وكأنها مجرد انفجارات غضب غير مفهومة أو أحداث وقعت بلا مقدمات. لكن قراءة التاريخ تكشف صورة مختلفة تماما. فالانتفاضة التي يعرفها العالم باسم الانتفاضة الفلسطينية الأولى لم تظهر فجأة، بل جاءت بعد سنوات طويلة من الاحتقان السياسي والاحتكاك اليومي بين الفلسطينيين والسلطات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة.
كانت تلك الانتفاضة، في جوهرها، تعبيرا شعبيا عن رفض واقع سياسي استمر لعقود. ثم جاءت لاحقا الانتفاضة الفلسطينية الثانية في سياق آخر طبعته خيبة الأمل من المسار التفاوضي وتعثر محاولات الوصول إلى حل سياسي عادل.
لهذا فإن تصوير هذه الأحداث وكأنها مجرد ردود فعل عشوائية يختزل حقيقة أكثر تعقيدا بكثير.
القضايا الكبرى في التاريخ لا يمكن فهمها بجملة سريعة أو تحليل مرتجل. فالتاريخ بطبيعته تراكم طويل من الوقائع والتحولات، وكل محاولة لاختزاله في رواية واحدة غالبا ما تكون على حساب الحقيقة نفسها.
ولا أحد يطالب الفنانين بأن يكونوا مؤرخين أو خبراء في السياسة، لكن عندما يدخل الفن إلى ساحة التاريخ والسياسة، تصبح الكلمة مسؤولية. لأن الكلمة التي تقال أمام جمهور واسع يمكن أن تساهم في توضيح الحقيقة… أو في تشويشها.
ولعل من المناسب هنا أن نتذكر ما قاله الملك الراحل الحسن الثاني حين تحدث عن هذه القضية قائلا:
“القضية الفلسطينية ليست قضية شعب واحد فقط، بل قضية عدل في هذا العالم.”
هذه العبارة تختصر جوهر المسألة. فالقضية الفلسطينية لم تكن يوما مجرد نزاع سياسي محدود، بل مسألة ترتبط بفكرة العدالة وحقوق الشعوب في أرضها وتاريخها.
وأنا أكتب هذه السطور لا أفعل ذلك بدافع الغضب أو الرغبة في الرد على شخص بعينه، بل بدافع الإيمان بأن الحقيقة التاريخية لا يجب أن تختزل أو تروى بنصفها فقط.
وأقول هنا جملة أؤمن بها شخصيا:
التاريخ لا يظلم حين يروى كما حدث، لكنه يظلم حين يختصره البعض في نصف الحقيقة.
فأخطر ما يمكن أن يحدث لأي قضية عادلة هو أن تروى قصتها ناقصة.
القضية الفلسطينية أكبر من أن تكون مجرد مادة لجدل سريع في حوار إعلامي، فهي قصة شعب وتاريخ أرض وصراع سياسي معقد امتد لعقود طويلة. ومن الطبيعي أن تختلف الآراء حول كثير من تفاصيلها، لكن ما لا ينبغي أن نختلف عليه هو ضرورة احترام الحقيقة التاريخية وعدم اختزالها.
فالكلمة، خاصة حين تصدر عن شخصية معروفة، ليست مجرد رأي عابر. الكلمة موقف، والموقف مسؤولية.
ولهذا فإن النقاش حول فلسطين يجب أن يظل قائما على المعرفة والوعي والسياق التاريخي الكامل، لا على الانطباعات السريعة أو الروايات الناقصة.
لأن الحقيقة في نهاية المطاف لا تحتاج إلى من يجملها … بل إلى من يقولها كاملة.
التعليقات مغلقة.